صدر حديثا كتاب جماعي محكم ضم أعمال ندوة دولية نظمت، في دجنبر الماضي بفاس، حول "السينما المغربية.. بنيات الحاضر ورهانات المستقبل".
ويضم الكتاب الذي نسق تحريره سعيد شملال، وصدر بدعم من رئاسة جامعة سيدي محمد بن عبد الله، مداخلات المشاركين في ندوة نظمها من 18 الى 20 دجنبر 2025، مختبر الدراسات الاجتماعية والثقافية والفلسفية، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، فاس، بشراكة مع الجمعية المغربية لنقاد السينما، وبدعم من المركز اللغوي الأمريكي بفاس.
وتتوزع محاور الكتاب، الذي استقطب نقادا وباحثين من أجيال ومشارب أكاديمية مختلفة، على أربعة فصول تتناول "الهموم الاجتماعية، والثقافية، والسياسية في السينما المغربية"، و"الانشغالات الإبداعية، والأدبية، والفنية في السينما المغربية"، و"السينما المغربية وطقوس الفرجة السينمائية"، فيما يتناول الفصل الرابع المحرر بالفرنسية سؤال "النوع والانشغالات الاجتماعية".
وينطلق الكتاب من اعتبار السينما المغربية في الوقت الحاضر واحدة من التجارب السينمائية الرائدة في القارة السمراء، لكنها لا تزال تواجه العديد من التحديات. فعلى الرغم من أن المغرب ينتج حاليا أكثر من عشرين فيلما روائيا طويلا في السنة، يصعب الحديث عن خصوصية جمالية أو تقنية مميزة للفيلم المغربي؛ وهو ما يعقد الحسم في ماهية الفن السابع بالمغرب، ليتجدد السؤال: "هل يمكن الحديث عن سينما مغربية، أم سينما بالمغرب، أم أفلام وتجارب سينمائية؟".
وجاء في تقديم الكتاب أن التوزيع كان ولا يزال أحد أهم التحديات التي واجهتها السينما المغربية؛ حيث ناضل مخرجو الأفلام الوطنية، خلال العقود الأولى بعد الاستقلال من أجل انتزاع الحق في عرضها في دور السينما في وقت كان فيه الموزعون يفضلون الأفلام الأمريكية، والهندية، والمصرية.
من جهته، حاول المركز السينمائي المغربي التخفيف من حدة هذا المشكل عبر إعطاء الأولوية في برمجة القاعات للفيلم المغربي، واقترحت الجامعة الوطنية للأندية السينمائية، من موقعها، برمجة تعطي أولوية لعروض الفيلم المغربي، وهو ما دعمته برامج الإطارات الثقافية المنظمة لمهرجانات وطنية ودولية. وهكذا أصبحت بعض الأفلام المغربية في الآونة الأخيرة تحقق أرقاما هامة على مستوى شباك التذاكر الوطني، مقارنة مع أفلام أجنبية وازنة تعرض في القاعات السينمائية.
ورغم هذا، تلاحظ الورقة التقديمية أن أرقام المداخيل تبقى بعيدة عن انتظارات السينما المغربية، بسبب تراجع عدد القاعات السينمائية بشكل كبير، معتبرة أن ما يعمق عطب التوزيع هو تفشي ظاهرة القرصنة، وغياب منصة بث رقمية رسمية يمكنها أرشفة الأفلام، وتعزيز إمكانية مشاهدتها بالنسبة للعموم.
وتبقى آمال السينما المغربية وآفاقها أقوى متمثلة أساسا في دعم الدولة، الذي يضمن سنويا إنتاج أزيد من عشرين فيلما طويلا. كما يشمل هذا الدعم أيضا المهرجانات، والتظاهرات السينمائية التي يبلغ عددها حوالي المائة، وتغطي تقريبا جميع أنحاء البلاد، يتصدرها المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، الذي تحضر في دوراته نجوم السينما العالمية.
من جهة أخرى، أصبحت بعض الأفلام المغربية مؤخرا تتمتع بحظوة دولية مهمة، الأمر الذي ساهم فيه مخرجون يشاركون في مجموعة من المهرجانات الدولية، من بينها كان، وبرلين، وسندانس، والبندقية.
واغتنت هذه الحركية بمشاريع قوانين تخص الإنتاج الوطني، والإنتاج الأجنبي، والخزانة السينمائية، ودعم القاعات...، كما اغتنى الاشتغال الإبداعي السينمائي بتنوع موضوعاتي ملحوظ ولافت، من قبيل النوع الاجتماعي، الهوية، الفضاء، الهجرة، المقاومة، علاقات الذات بالآخر، الدين، الجنس، السياسة، الهجرة، والتطرف.
وتندرج هذه القضايا في بنيات وانشغالات راهنة للسينما المغربية، تعتبر صانعة لمستقبلها، وهو ما يعنى الكتاب بمساءلته وتحليله، بحثا عن تشخيص لعلاقات وبنيات الراهن السينمائي، واستقراء لآفاقه، وحصر لرؤى قادرة على صناعة مستقبل متجدد للسينما المغربية.
ويعتبر إصدار هذا المؤلف الجماعي المحكم، الذي ساهم فيه نقاد وباحثون ومخرجون سينمائيون مغاربة، بمثابة مساهمة نقدية بإمكانها إغناء التفكير في الممارسة السينمائية الوطنية، وتجديد الخطاب النقدي الموازي لها في ظل المتغيرات الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، التي شهدها المغرب في العقود الأخيرة.
ونظرا لصعوبة جمع أكثر من أربعين مساهمة في كتاب واحد، تم الاقتصار على ضم عشرين مساهمة باللغتين العربية والفرنسية فقط؛ بينما سيتم جمع المساهمات باللغة الإنجليزية في كتاب مستقل يصدر لاحقا.
و م ع
صدور كتاب جماعي حول "السينما المغربية.. بنيات الحاضر ورهانات المستقبل"
اترك تعليقاً
شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.