الانتخابات البلدية بجنوب إفريقيا..بعد فرز 98 في المائة من الأصوات، المؤتمر الوطني الإفريقي يدفع ثمن تراجعه

الانتخابات البلدية بجنوب إفريقيا..بعد فرز 98 في المائة من الأصوات، المؤتمر الوطني الإفريقي يدفع ثمن تراجعه

أفرزت الانتخابات البلدية التي جرت في جنوب إفريقيا يوم 4 نونبر الجاري إعادة تشكيل عميقة للمشهد السياسي، في ظل تراجع ملحوظ لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وتعزز موقع المعارضة رغم تشتت قواها، وتعدد السيناريوهات المحتملة لتشكيل تحالفات لتدبير الشأن المحلي.

ومع اقتراب عملية فرز الأصوات من نهايتها، بعد احتساب نحو 98 في المائة من الأصوات، بدأ الحزب الحاكم منذ سنة 1994 يستوعب حجم خسائره، فيما شرعت مختلف التشكيلات السياسية في تحديد مواقفها استعدادا للمفاوضات المتعلقة بتدبير شؤون البلديات.

وتشير النتائج الأولية إلى هزيمة تاريخية لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، الذي حصل على نحو 31,1 في المائة من الأصوات على الصعيد الوطني، مقابل 45,6 في المائة خلال الانتخابات البلدية لسنة 2021، مسجلا بذلك تراجعا بنحو 14,5 نقطة مئوية.

وتعد هذه النتيجة من أسوأ النتائج للحزب منذ وصوله إلى السلطة بعد سقوط نظام الميز العنصري، كما تؤكد استمرار تآكل قاعدته الانتخابية، وهو المنحى الذي برز بالفعل خلال الانتخابات العامة التي جرت في ماي 2024، وأفقدته أغلبيته المطلقة في البرلمان.

وفي المقابل، حصل التحالف الديمقراطي على نحو 24,6 في المائة من الأصوات، مقابل 21,7 في المائة سنة 2021، معززا بذلك موقعه باعتباره القوة السياسية المنافسة الرئيسية لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي.

وجاء بعده حزب "أومخونتو وي سيزوي" (رمح الأمة)، الذي أسسه الرئيس السابق جاكوب زوما، بحصوله على نحو 9,7 في المائة من الأصوات، وذلك في أول مشاركة له في الانتخابات البلدية.

وساهمت أحزاب أخرى بدورها في تشتيت الأصوات، إذ حصل "المقاتلون من أجل الحرية الاقتصادية" على نحو 6,2 في المائة، فيما نال حزب "أكشن إس إيه" حوالي 5,2 في المائة، وحزب حرية إنكاثا نحو 4,7 في المائة.

وتؤكد هذه النتائج بروز نظام متعدد الأقطاب، لا تتمتع فيه أي قوة سياسية بقاعدة انتخابية مهيمنة على الصعيد الوطني تمكنها من الانفراد بتدبير عدد كبير من الجماعات المحلية.

ويبرز هذا التحول بشكل خاص في المدن الكبرى، حيث يفقد حزب المؤتمر الوطني الإفريقي تدريجيا هيمنته السابقة. فقد تصدر خصمه وغريمه التحالف الديمقراطي النتائج في كيب تاون وجوهانسبورغ وتشواني وإيكورهوليني ومدينة نيلسون مانديلا باي، بينما تصدر حزب "أومخونتو وي سيزوي" النتائج في إيثيكويني، التي تضم مدينة ديربان.

ومع ذلك، حافظ حزب المؤتمر الوطني الإفريقي على مواقع مهمة في بافالو سيتي ومانغاونغ، دون أن يتمكن من استعادة الأغلبية التي كانت تخول له تدبير شؤون هاتين البلديتين.

وفي إقليم خاوتينغ، القلب الاقتصادي للبلاد، يبدو تراجع الحزب الحاكم أكثر وضوحا، حيث فرض التحالف الديمقراطي نفسه باعتباره القوة الانتخابية الأولى في البلديات الرئيسية، فيما حقق حزب "أكشن إس إيه" اختراقا لافتا، لا سيما في تشواني وإيكورهوليني، وهو ما قد يمنحه دورا حاسما في تشكيل المجالس البلدية المقبلة.

أما في إقليم كوازولو ناتال، فيشكل صعود حزب "أومكونتو وي سيزوي" أحد أبرز التحولات التي أفرزتها الانتخابات، بعدما تمكن حزب جاكوب زوما من تجاوز حزب المؤتمر الوطني الإفريقي في معقله الانتخابي السابق، مؤكدا تأثير الانقسامات الداخلية داخل الحركة التاريخية المناهضة الأبارتيد، وقدرة الرئيس السابق على تعبئة جزء من قاعدته الانتخابية التقليدية.

وبعيدا عن موازين القوى بين الأحزاب، تكشف النتائج عن تنامي تشتت السلطة على مستوى التدبير المحلي. فمن أصل 205 مجالس بلدية محلية، يتجه نحو 120 مجلسا إلى وضعية لا يتمتع فيها أي حزب بأغلبية مطلقة، وفق المعطيات الأولية المتاحة.

وبالتالي، فإن تشكيل الأجهزة التنفيذية في عدد من المدن الكبرى سيظل رهينا بالتوصل إلى اتفاقات بين أحزاب تختلف برامجها وتوجهاتها السياسية، بل وقد يصعب التوفيق بينها في بعض الحالات.

ويفتح هذا الوضع الباب أمام مرحلة جديدة من المشاورات السياسية، بعدما بدأت الأحزاب تكثف اتصالاتها غير الرسمية تمهيدا للمفاوضات الرسمية بشأن التحالفات. وأعلن التحالف الديمقراطي أنه أجرى بالفعل اتصالات مع عدد من التشكيلات السياسية، معربا عن استعداده لدراسة صيغ مختلفة للتعاون، بما فيها ترتيبات موسعة تضم عدة أحزاب.

وأشار زعيم الحزب، غيوردين هيل لويس، إلى إمكانية تشكيل حكومات محلية للوحدة، على غرار حكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت عقب الانتخابات العامة لسنة 2024. غير أنه شدد على ضرورة مراعاة الوزن الانتخابي لكل طرف، وإعطاء الأولوية للاستقرار الإداري وتحسين الخدمات العمومية.

من جهته، يبدو حزب "أكشن إس إيه"، بقيادة هيرمان ماشابا، أحد الأطراف القادرة على ترجيح كفة الأغلبية في عدد من بلديات إقليم خاوتينغ.

وأكد الرئيس الوطني للحزب، مايكل بومونت، استعداد تشكيلته السياسية للتفاوض مع مختلف الأحزاب، شريطة أن تستند الاتفاقات المقبلة إلى التزامات واضحة بشأن مكافحة الفساد، وتحسين تقديم الخدمات العمومية، وضمان استقرار الأجهزة التنفيذية البلدية.

أما حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، فيواجه تحديين متلازمين، يتمثل أولهما في الحد من التداعيات السياسية لتراجعه الانتخابي، وثانيهما في الحفاظ على نفوذه داخل الجماعات المحلية التي لم يعد يتوفر فيها على أغلبية كافية.

وأقرت النائبة الأولى للأمين العام للحزب، نومفولا موكونياني، بأن هذه النتائج تشكل فرصة لإعادة النظر في تموقع الحزب وتنظيمه، مؤكدة أن المؤتمر الوطني الإفريقي لا يعتزم مغادرة الساحة السياسية.

كما يتعين على قيادة الحزب استخلاص الدروس من تجاربها السابقة في مجال التحالفات، ولا سيما منذ تشكيل حكومة الوحدة الوطنية سنة 2024. ومن المنتظر أن يضطلع الأمين العام للحزب، فيكيلي مبالولا، بدور محوري في تنسيق المناقشات داخل الفريق الوطني المكلف بملف التحالفات.

ولم تعد الرهانات مقتصرة على توزيع مناصب رؤساء البلديات والمسؤوليات المحلية، بل باتت الأحزاب مطالبة ببناء أغلبيات متماسكة بما يكفي لتفادي تكرار الأزمات المؤسساتية، والتغييرات المتكررة على مستوى الأجهزة التنفيذية، وحالات الشلل الإداري التي شهدتها عدة مدن كبرى خلال السنوات الأخيرة.

ومن المرتقب أن تعلن اللجنة الانتخابية المستقلة النتائج النهائية يوم غد الأحد، لتبدأ بعد ذلك فترة تمتد لأربعة عشر يوما، تخصص للمفاوضات وتشكيل المجالس البلدية الجديدة.

وتؤكد هذه الانتخابات، بذلك، حدوث تحول عميق في الحياة السياسية بجنوب إفريقيا، إذ لا يزال حزب المؤتمر الوطني الإفريقي القوة السياسية الأولى على الصعيد الوطني، لكنه لم يعد يمتلك القدرة على الهيمنة التي ميزت نفوذه التاريخي.

وفي مشهد سياسي بات موزعا بين عدة قوى متنافسة، قد تصبح القدرة على إبرام التحالفات وتشكيل أغلبيات مستقرة عاملا لا يقل أهمية، بل قد يفوق أحيانا، النتائج المحققة في صناديق الاقتراع.
و م ع

اترك تعليقاً

شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.

Maroc24

حمّل تطبيق Maroc24، أخبار المغرب تصلك أولاً

تطبيق أخبار المغرب 24 يوفّر لكم متابعة مباشرة لكل الأحداث التي تهمّ المغرب ومغاربة العالم لحظة بلحظة، مع إشعارات فورية وتغطية شاملة لكل المستجدات.