موسم طانطان .. فضاء المواهب الشعرية مشتل تتوارث فيه الناشئة حفظ ونظم الشعر الحساني

موسم طانطان .. فضاء المواهب الشعرية مشتل تتوارث فيه الناشئة حفظ ونظم الشعر الحساني

في قلب الفضاءات النابضة بعبق الأصالة خلال الدورة الـ 19 لموسم طانطان، لا يقتصر صون التراث الحساني على الكبار فقط، بل تبرز خيمة فضاء المواهب الشعرية كمشتل خصب ومدرسة حية تتشرب داخلها الناشئة قواعد حفظ ونظم الشعر الحساني، في مشهد يجسد أسمى تجليات نقل الذاكرة اللامادية للأجيال الصاعدة.

ويشكل هذا الفضاء، الذي أقامته مؤسسة "ألموكار"، جسرا ممتدا بين الماضي والمستقبل، حيث يجلس شيوخ وعمالقة الكلمة الموزونة جنبا إلى جنب مع أطفال ويافعين، ليلقنوهم بحور الشعر وأغراضه، في خطوة تروم تحصين هذا الموروث الشفهي العريق من الاندثار وضمان استمراريته في وجدان شباب المنطقة.

وبنبرة تملؤها الثقة والاعتزاز بالانتماء، يعبر سليمان، ذو الـ 14 ربيعا، عن شغفه بهذا الفن الأصيل، مؤكدا أنه يعتبر نفسه، رفقة أقرانه في الخيمة، من "الشعراء الشباب الذين ورثوا هذا الفن عن الأجداد والآباء"، وأن غايته الكبرى هي "المحافظة على التراث الشعري وتطويره". وقبل أن ينهي حديثه، انطلق سليمان بصوت شجي في ترديد أبيات شعرية حسانية يتغنى فيها بالصحراء المغربية والارتباط بالوطن.

ويعتبر الشعر الحساني، أو ما يصطلح عليه محليا بـ"ل غ ن "، ديوانا ناطقا بذاكرة الصحراء ومرآة عاكسة لنمط عيش البدو الرحل وقيمهم المجتمعية. فلا يقتصر هذا الإبداع الشفهي الأصيل على كونه مجرد بوح وجداني أو تعبير أدبي، بل يمثل سجلا تاريخيا حيا ونسقا لغويا قائما بذاته، تحكمه بحور وأوزان دقيقة. ومن هنا، تكتسي مبادرة تلقين قواعده وأغراضه للأطفال أهمية بالغة في ربط الماضي بالحاضر، وضمان استمرارية هذا الموروث الذي يشكل أحد الروافد الأساسية للهوية الثقافية المغربية.

وفي هذا الصدد، يؤكد الباحث والشاعر الخليل اخنيبيلة، المشرف على الفضاء، أن هذه المبادرة تتجاوز البعد الاستعراضي لتلامس عمق الهوية.

وأوضح، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن هذا الفضاء "يركز على المواهب الصاعدة، لأن المجتمع الحساني يهتم بالشعر، وذلك غير مقتصر على كبار السن، بل يشمل البراعم الصغار"، مضيفا أن الغاية من تأطير هؤلاء الأطفال تتمثل في "تربيتهم على القيم الوطنية والمبادئ والهوية الثقافية".

ويشهد "فضاء المواهب الشعرية" طيلة أيام الموسم إقبالا لافتا، حيث يستفيد الأطفال من تداريب لا تقتصر فقط على الحفظ والاستظهار، بل تتعداهما إلى استيعاب "الذائقة الصوتية" التي يتميز بها الشعر الحساني وضبط إيقاعاته. ورغم صعوبة البحور الشعرية، فإن الفضاء يوفر تأطيرا مستمرا لتصحيح وتوجيه هذه المواهب، وتنمية ملكة النظم لديهم، إذ يمكن للشاعر الحساني منذ صغره، وحتى قبل استيعابه المعقد للبحور الشعرية، أن يرتجل الأبيات بمجرد سماعه للأوزان في الأغاني والوصلات، وهي ملكة فطرية يتم صقلها في هذا الفضاء بتوجيه من مؤطرين ومشرفين متخصصين.

وداخل هذا المشتل الإبداعي، وتكريسا للحضور النسوي الوازن في صون الذاكرة اللامادية، تبرز الطفلة فاطمة الزهراء الغزواني، ذات الـ 8 سنوات، كواحدة من المواهب الواعدة في الفضاء. وبابتسامة بريئة وحضور قوي، توضح فاطمة الزهراء أنها اجتهدت لأسبوعين في حفظ قصيدتها كي تلقيها ببراعة أمام جمهور "أموگار"، لتبدع إثر ذلك في إلقاء مقطع شعري يحتفي بعيد الوحدة.

وفي ما يتعلق بالتقييم العام لهذه التجربة، شدد الخليل اخنيبيلة على أن الشعر الحساني يعتمد بالأساس على "النقل الشفهي"، مبرزا أن المجهودات المبذولة داخل الخيمة لتوجيه الأطفال وتصحيح أخطائهم، تساهم في تكوين جيل جديد من الشعراء.

واعتبر الباحث أن هذا الحماس الذي يظهره الأطفال عند صعودهم إلى المنصة بكل شجاعة وابتسامة، يعد حافزا قويا يؤكد نجاح موسم طانطان في رهانه الأكبر، المتمثل في حفظ التراث الإنساني اللامادي وضمان استدامته.

كما ثمن السيد اخنيبيلة الجهود التي يقوم بها موسم طانطان، معتبرا إياه قبلة عالمية للحفاظ على التراث الإنساني اللامادي، إذ ساهم بشكل ملموس في إبراز وإعادة إحياء العديد من الممارسات الثقافية التي كادت تندثر، بدءا من الصناعات الجلدية، ووصولا إلى الخيام المنسوجة من وبر الإبل.

ولا يقتصر هذا الزخم التراثي والتثقيفي على فضاء المواهب الشعرية فحسب، بل يمتد ليشمل شبكة متكاملة من الخيام الموضوعاتية المنصوبة بساحة السلم والتسامح، والتي تشكل في مجملها متحفا حيا وفضاء تفاعليا يختزل غنى التراث الحساني.

وتأخذ هذه الفضاءات زوار الموسم في رحلة أصيلة لاكتشاف نمط عيش البدو الرحل، بدءا من عادات الكرم وطقوس الشاي في "خيمة الاستقبال"، مرورا بمركزية "الماء والترحال" ومكانة الإبل، وصولا إلى منارة التعليم التقليدي وحفظ القرآن بـ"المحضرة".

و م ع

اترك تعليقاً

شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.

Maroc24

حمّل تطبيق Maroc24، أخبار المغرب تصلك أولاً

تطبيق أخبار المغرب 24 يوفّر لكم متابعة مباشرة لكل الأحداث التي تهمّ المغرب ومغاربة العالم لحظة بلحظة، مع إشعارات فورية وتغطية شاملة لكل المستجدات.