شبكات التواصل الاجتماعي.. خوارزميات خفية تشكل الفضاء الرقمي

شبكات التواصل الاجتماعي.. خوارزميات خفية تشكل الفضاء الرقمي

 من مقطع فيديو يقترح على المستخدم موضوعا تمت مناقشته للتو، إلى إعلان يطابق منتجا يبحث عنه، وصولا إلى منشور يحاكي اهتماماته الخاصة، تظهر على شبكات التواصل الاجتماعي مصادفات تثير أحيانا الاستغراب، لتغذي تساؤلا متكررا حول مدى قدرة هذه المنصات الرقمية على استباق احتياجات مستخدميها وتوقع خياراتهم.

خلف هذا التخصيص للمحتوى، تكمن آلية معقدة تتمثل في خوارزميات التوصية، وهي أنظمة تعمل على تحليل السلوكيات الرقمية من أجل انتقاء وترتيب المحتويات المقترحة على مستخدمي الإنترنت.

ومن "فيسبوك" إلى "تيك توك" مرورا بـ "إنستغرام" و"يوتيوب" و"إكس"، أضحت هذه الآليات تحتل مكانة محورية في نشر المحتوى. فهي تساهم، بالاعتماد على تفاعلات المستخدمين، في تشكيل صفحات أخبار مخصصة لكل مستخدم على حدة، معيدة بذلك رسم قواعد ظهور المنشورات، واستراتيجيات وسائل الإعلام والعلامات التجارية وصناع المحتوى.

وفي هذا الصدد، أوضح المستشار المتخصص في الاستراتيجية الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، بيير كوليي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن خوارزميات شبكات التواصل الاجتماعي هي بالأساس "آلات للتنبؤ"، مبرزا أن دورها يتمثل في استباق المحتويات التي ي حتمل أن تثير اهتمام كل مستخدم على حدة.

وسجل أن هذه الأنظمة تعتمد على "آلاف المؤشرات"، من بينها مدة المشاهدة، وتسجيلات الإعجاب، والتعليقات، والمشاركات، وحفظ المنشورات.

وحسب السيد كوليي، فكلما زاد استخدام إحدى المنصات، مكنت البيانات المجمعة من تحسين التوصيات وجعلها أكثر دقة، مشيرا إلى أن هذا التخصيص يفسر سبب حصول مستخدمين اثنين لشبكة التواصل الاجتماعي ذاتها على صفحات أخبار مختلفة تماما.

ومن بين هذه المؤشرات، تعد مدة المشاهدة، يضيف الخبير، أحد المعايير الأكثر تعبيرا عن اهتمامات المستخدمين. وبالتالي، فإن المحتويات التي تثير انتباههم بشكل أكبر تحظى بالأولوية من قبل الخوارزميات، ويتم عرضها على جمهور أوسع، مما يعزز "انتشارها بشكل تلقائي".

وإلى جانب مدة المشاهدة، تستغل المنصات العديد من البيانات المتعلقة بتفضيلات مستخدمي الإنترنت وعاداتهم من أجل تحسين توصياتها. وتتيح قدرة التنبؤ هذه، وفق المستشار، اقتراح محتويات من شأنها تلبية احتياجات المستخدمين حتى قبل التعبير عنها.

وقال بهذا الخصوص "إن المنصات تتوفر على كم هائل من المعلومات حول تفضيلاتنا، وما نحبه، وما لا نحبه، وما يدفعنا للتفاعل. وما تقترحه علينا هو ثمرة استنتاجات مبنية على هذه البيانات".

من جهة أخرى، قلل السيد كوليي من وجاهة الفرضية القائلة إن الهواتف تتنصت على المحادثات لاقتراح محتويات خاصة، معتبرا أن استغلال البيانات يتيح بالفعل للمنصات استباق اهتمامات واحتياجات مستخدمي الإنترنت بدقة عالية.

وفي السياق ذاته، أكد أن خوارزميات التوصية تؤدي، أيضا، دورا حاسما في تطور استراتيجيات نشر المحتوى لدى وسائل الإعلام والعلامات التجارية وصناع المحتوى، وذلك من خلال إعادة تحديد المعايير التي تتحكم في مدى ظهور المنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي.

في هذا الصدد، ذكر السيد كوليي بأنه ما بين سنتي 2010 و2015، كان عمل منصات مثل "فيسبوك" و"إنستغرام" يعتمد بالأساس على الاشتراكات وعلاقات الصداقة، حيث كان المستخدمون يطلعون على منشورات الحسابات التي يتابعونها، لكن "تيك توك غي ر قواعد اللعبة باعتماده نظاما قائما على التوصيات المخصصة، وهو مسار سارت على نهجه معظم المنصات الأخرى فيما بعد. وبات اكتشاف المحتوى، اليوم، يشكل جوهر هذا النموذج".

واعتبر أن هذا التحول أتاح إمكانيات جديدة لظهور المحتوى الذي تنتجه وسائل الإعلام وصناع المحتوى، حيث لم يعد عدد المتابعين عاملا حاسما كما كان عليه الشأن في السابق. وهكذا، يمكن لمنشورات حساب لا يحظى بمتابعة كبيرة أن تصل إلى جمهور واسع، في حين قد لا تحظى منشورات حساب يتوفر على عدد كبير من المتابعين، بالضرورة، بانتشار مماثل.

وأوضح الخبير أنه أمام هذا التحول، يضاعف صناع المحتوى تجاربهم ويحللون أداء منشوراتهم من أجل تكييف إنتاجاتهم مع معايير التوصية، مضيفا أن هذه المقاربة اعتمدتها تدريجيا العلامات التجارية ووسائل الإعلام التي باتت تولي اهتماما خاصا لمدة المشاهدة ونسبة المستخدمين الذين يشاهدون مقاطع الفيديو حتى نهايتها.

وبالنسبة لوسائل الإعلام، يتطلب هذا التطور تكييف أشكال المحتوى مع خصوصيات كل منصة، وهو توجه يندرج، وفقا لتوضيحات السيد كوليي، في إطار السعي لضمان بروز أفضل للمحتويات لدى الجمهور المستهدف.

وإذا كانت الخوارزميات تؤثر بالفعل في مدى ظهور المنشورات، فإنه يظل من الصعب التكهن بقدرتها على تحقيق انتشار واسع النطاق. ويشكل اختيار الموضوع، وتوقيت النشر، فضلا عن الاهتمام الذي يستأثر به لدى الجمهور، أبرز العوامل التي من شأنها تحفيز هذا الانتشار الواسع.

وأكد السيد كوليي أن "الانتشار الواسع لا يمكن توقعه، غير أن عدة عوامل تساهم في تحقيقه. فالموضوع وتوقيت النشر يكتسيان أهمية بالغة، إذ إن المحتوى الذي يتفاعل مع الأحداث الجارية أو الاهتمامات الراهنة يتوفر على مقومات كبيرة للانتشار".

كما تشكل المشاركة، حسب المستشار، عاملا أساسيا في وصول المنشورات إلى جماهير جديدة، معتبرا أنه لا توجد، مع ذلك، أية وصفة تضمن الانتشار الواسع لمحتوى ما، بالنظر إلى تعقيد الخوارزميات وتغيرها المستمر.

ومع ذلك، فإن تخصيص المحتويات لا ينفي وجود هامش للتحرك بالنسبة للمستخدمين، إذ يرى السيد كوليي أن العديد من الخصائص المتاحة، لا سيما خيار "غير مهتم" المتاح في بعض المنصات، وتنويع المواضيع المتصفحة، أو حتى إعادة ضبط سجل التصفح، تمكن من التأثير في طبيعة المحتويات المقترحة.

وسجل في هذا الصدد، أن الوقت المخصص لتصفح المحتويات يكتسي أهمية أكبر من مجرد النقر على المنشور. وأوصى، تبعا لذلك، بتفادي مشاهدة المحتويات غير المرغوب فيها حتى نهايتها إذا كان المستخدم لا يرغب في ظهورها مجددا في صفحة الأخبار الخاصة به.

وخلص السيد كوليي إلى أن أداة التأثير الرئيسية تكمن في سلوكيات المستخدمين أنفسهم، إذ تعتمد الخوارزميات على عاداتهم الفعلية في استهلاك المحتوى من أجل تعديل التوصيات المقدمة إليهم.
و م ع

اترك تعليقاً

شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.

Maroc24

حمّل تطبيق Maroc24، أخبار المغرب تصلك أولاً

تطبيق أخبار المغرب 24 يوفّر لكم متابعة مباشرة لكل الأحداث التي تهمّ المغرب ومغاربة العالم لحظة بلحظة، مع إشعارات فورية وتغطية شاملة لكل المستجدات.