الانتخابات التشريعية بجهة الدار البيضاء سطات .... الأسواق الأسبوعية، فضاءات مثالية للحملة الانتخابية في العالم القروي

الانتخابات التشريعية بجهة الدار البيضاء سطات .... الأسواق الأسبوعية، فضاءات مثالية للحملة الانتخابية في العالم القروي

تشكل الأسواق الأسبوعية، خلال فترة الحملة الانتخابية، محطات رئيسية في جولات المرشحين بعدد من مناطق العالم القروي، لما تتيحه من إمكانية التواصل المباشر، في مكان واحد، مع ناخبين يتوافدون من دواوير وجماعات متفرقة.

وبينما تحتفظ هذه الأسواق بوظيفتها الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها فضاءات للتجارة والتلاقي وتبادل الأخبار، فإنها تكتسب خلال الاستحقاقات الانتخابية وظيفة إضافية، إذ تتحول إلى فضاءات مفتوحة للحملات الانتخابية ، تتقاطع فيها خطابات المرشحين مع أسئلة المواطنين وانتظاراتهم المحلية.

ويقدم سوق "أربعاء أولاد سعيد"، بإقليم سطات، نموذجا لهذا الحضور الانتخابي داخل الأسواق الأسبوعية، إذ استقبل حملات تواصلية حزبية بألوان ورموز مختلفة، في مشهد امتزجت فيه الحركة التجارية المعتادة بالتواصل المباشر بين المرشحين والناخبين.

"أربعاء أولاد سعيد".. السوق على إيقاع الحملة

منذ الساعات الأولى للصباح، خرج سوق "أربعاء أولاد سعيد" عن إيقاعه الأسبوعي المعتاد، بعدما اختلطت حركة الفلاحين والتجار والمتسوقين بمواكب الحملات الانتخابية القادمة من سطات، في محاولة للوصول إلى ناخبي الدواوير والقبائل المجاورة.

وفي هذا الصباح، بدا الرهان واضحا بالنسبة إلى الحملات المتوافدة على السوق: استثمار كثافة رواده وتنوع المناطق التي يفدون منها للوصول، في جولة واحدة، إلى ناخبين يصعب لقاء بعضهم داخل دواويرهم المتباعدة.

وعلى بعد نحو 21 كيلومترا من سطات في اتجاه الجديدة، كانت مواكب السيارات والشاحنات تصل تباعا حاملة ألوانا ورموزا انتخابية مختلفة، فيما كان شباب ورجال ونساء يرتدون صدريات أحزابهم، قبل أن تتخذ كل حملة نقطة تجمع بمحيط السوق، تعيد فيها ترتيب صفوفها، ثم تنطلق بين الممرات للتواصل مع أكبر عدد ممكن من رواده.

داخل السوق، استمرت الحركة التجارية كالمعتاد، لكن المشهد الانتخابي كان حاضرا في مختلف جنباته، حيث يوزع المرشحون ومرافقوهم المنشورات، ويصافحون التجار والمتسوقين، ويفتحون معهم أحاديث تبدأ أحيانا بتحية سريعة قبل أن تتحول إلى نقاش حول حاجيات المنطقة وانتظارات سكانها.

ويرتفع النقاش أحيانا حين يواجه مواطن مرشحا بسؤال عن الماء أو الطرق أو الخدمات، أو عن مدى قدرته على الوفاء بالتزاماته إذا نال ثقة الناخبين، ليتحول المرور العابر إلى نقاش يقدم خلاله المرشح ومرافقوه إجاباتهم وما يعتبرونه أولويات في برنامجهم.

وغالبا ما يرافق المرشح أبناء من المنطقة يعرفون عددا كبيرا من مرتادي السوق، فيتولون التعريف به وتقديمه لهذا وذاك، ويستندون في حديثهم إلى القرب من السكان وحسن الإنصات ومعرفة المنطقة، فيما تحضر أحيانا روابط القرابة والانتماء إلى المنطقة ضمن الحجج المتداولة بين مؤيدي المرشحين ورواد السوق.

الناخب يسأل والمرشح يجيب

غير بعيد عن حركة الحملات، تأخذ الانتخابات شكلا أكثر هدوءا داخل خيام الشاي والفطائر المقلية (الإسفنج)، حيث يستغل المتسوقون استراحة الفطور لاستعادة ما سمعوه قبل قليل، فتخرج أوراق المرشحين من الجيوب وتبدأ المقارنات: من يعرف المنطقة أكثر؟ من يبدو أقرب إلى مشاكلها؟ ومن يستطيع حمل مطالبها؟

ولا تمر كل الحملات بسهولة من أمام هذه الموائد، إذ يتحول بعضها إلى فضاءات صغيرة للمساءلة، حيث تتلاحق الأسئلة عن الماء والطرق والمرافق والخدمات ومصير الوعود بعد انتهاء الانتخابات. ويظهر التحفظ على ملامح بعض المتسوقين، فيما يحاول المرشحون ومرافقوهم تبديدها بمزيد من الشرح والإقناع.

وغالبا ما تنتهي هذه النقاشات بعبارة تكررت كثيرا خلال الجولة: "يكون خير.. الله يوفقكم". وهي عبارة تبدو في ظاهرها دعاء بالتوفيق، لكنها تحمل أحيانا معنى آخر، هو إنهاء النقاش بأدب وترك الحكم النهائي لوقت لاحق.

وفي زاوية أخرى من السوق، اختارت بعض الحملات أسلوبا مختلفا للتواصل من خلال منصات ومكبرات للصوت وتجمعات خطابية، يقدم خلالها المرشحون قراءتهم لأوضاع المنطقة ويعرضون مقترحاتهم، وسط شعارات المناصرين وتصفيقهم.

ومع تقدم ساعات الصباح، ازدادت كثافة الحضور الانتخابي، وتوزعت الحملات بألوانها ورموزها المختلفة على جنبات السوق، ما جعل هذا الموعد الأسبوعي محطة بارزة للحملة الانتخابية بالمنطقة.

حاجيات محلية وانتظارات أوسع

رغم تنوع الخطابات والبرامج، ظلت المطالب التي يعبر عنها رواد السوق متقاربة إلى حد بعيد، وفي مقدمتها ندرة المياه، إلى جانب فك العزلة وتحسين الطرق والتجهيزات والخدمات بالمراكز القروية والاهتمام بأوضاع الفلاحين.

وتتقاطع هذه المطالب المحلية مع قضايا أوسع من قبيل الشغل والصحة والتعليم، في مزيج يعكس انتظارات المواطن القروي من مختلف مستويات التدبير العمومي، سواء تعلق الأمر بالجماعات الترابية أو بالمؤسسة التشريعية والسياسات الوطنية.

وفي هذا السياق، قال إدريس عزري، وهو فاعل جمعوي بالمنطقة، إن السوق الأسبوعي شكل تاريخيا نقطة التقاء لأبناء القبيلة وسكان الدواوير المجاورة، وهو ما يمنحه خلال فترة الحملة الانتخابية أهمية خاصة بالنسبة إلى المرشحين.

وأوضح، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن صعوبة الوصول إلى جميع الدواوير تجعل السوق فضاء عمليا للقاء سكان قادمين من مناطق متعددة في يوم واحد، مشيرا إلى أن أثر إقناع شخص واحد قد يمتد إلى أسرته ومحيطه الاجتماعي داخل الدوار.

ويرى عزري أن مطالب سكان العالم القروي "بسيطة في صياغتها، لكنها ملحة"، وتتمثل أساسا في معالجة مشكل نقص المياه، ودعم الفلاحين، وتحسين جودة التعليم، وتقريب الخدمات الصحية، معتبرا أن المرشح يوجد في السوق أمام اختبار مباشر يتطلب، بحسب تعبيره، "لغة واقعية وخطابا عقلانيا".

ولا تبدو انتظارات رواد السوق بعيدة عن هذا التشخيص، فأحد الفلاحين لم يطلب أكثر من أن تتحقق الوعود التي سمعها خلال ذلك الصباح، قبل أن يلخص أولويته في كلمة واحدة: "الماء".

أما فلاح شاب، فعبر عن أمله في أن يأخذ العالم القروي نصيبه من التنمية، وأن تحظى المنطقة بمزيد من الاهتمام، وهي مطالب تختصر جانبا واسعا من النقاش الانتخابي الدائر داخل السوق، حيث ترتبط السياسة في الغالب بما يلامسه السكان مباشرة في حياتهم اليومية.

نهاية جولة صباحية

مع اقتراب الزوال، بدأت صورة السوق تتغير. فقد تراجعت أعداد المتسوقين بعدما أنهى كثير منهم حاجياته، فيما توزع أعضاء الحملات داخل الخيام لالتقاط الأنفاس بعد ساعات من المشي والمصافحات والنقاش.

وتجمع أعضاء الحملات حول عدد من طاولات السوق لأخذ قسط من الراحة بعد نصف يوم من التجول والتواصل مع الناخبين وتقديم مرشحيهم وبرامجهم، فيما بدا الارتياح على بعض المرشحين ومرافقيهم بعد تلقيهم عبارات تشجيع ووعودا بالمساندة، على أن يبقى الحسم النهائي بيد الناخب يوم الاقتراع.

أما مرتادو "أربعاء أولاد سعيد"، فقد غادر كثير منهم المكان بالعبارة نفسها التي استقبلوا بها الخطب والمصافحات والوعود: "يكون خير".
و م ع

اترك تعليقاً

شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.

Maroc24

حمّل تطبيق Maroc24، أخبار المغرب تصلك أولاً

تطبيق أخبار المغرب 24 يوفّر لكم متابعة مباشرة لكل الأحداث التي تهمّ المغرب ومغاربة العالم لحظة بلحظة، مع إشعارات فورية وتغطية شاملة لكل المستجدات.