يرتقب أن تفتح زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة الأمريكية،المقررة في 24 شتنبر الجاري،مرحلة جديدة في العلاقات الصينية-الأمريكية،تتجه نحو إرساء "استقرار استراتيجي بناء".
ويرى المراقبون أن هذه المقاربة تجسد إرادة قوية لإدراج التنافس بين القوتين العالميتين في إطار من شأنه الحفاظ على الحوار، وتدبير الخلافات، والإبقاء على مجالات للتعاون.
وكان شي جين بينغ قد حدد، خلال مباحثاته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 14 ماي الماضي، أسس هذه المقاربة المحددة في أربعة محاور تتمثل في استقرار إيجابي قائم على التعاون، ومنافسة تحافظ على حدود ملائمة، وتدبير الخلافات، وسلام مستدام.
وقال الرئيس الصيني أنذاك إن "بناء علاقات صينية-أمريكية قائمة على استقرار استراتيجي بناء ليس مجرد شعار، بل يقتضي اتخاذ إجراءات في نفس الاتجاه".
تعريف جديد للتنافس..
بحسب مدير مركز الأمن والاستراتيجية الدوليين بجامعة تسينغهوا، دا وي، فإن التفاهم الثنائي الذي تم التوصل إليه في ماي أسهم في إحداث تحول في الطريقة التي ينظر بها البلدان إلى علاقتهما.
وأوضح، في تحليل نشرته وسائل إعلام صينية مؤخرا، أن الصين والولايات المتحدة الأمريكية توصلتا، للمرة الأولى منذ أزيد من عقد، إلى توافق بشأن كيفية تحديد علاقتهما، وهو توافق يمكن لقادة البلدين تأييده إلى حد كبير.
وبحسب دا وي،فإن الاستقرار الاستراتيجي لا يعني نهاية التوترات، بقدر ما يحيل على البحث عن توازن جديد يتيح تفادي مزيد من تدهور العلاقات وتوسيع نطاق التعاون عندما تتقاطع المصالح.
وتسلط هذه القراءة الضوء على الأهمية التي توليها الصين لقمة واشنطن، إذ لا يتمثل الهدف بالضرورة في تسوية كافة الخلافات الصينية-الأمريكية، وإنما في الحفاظ على الآليات الكفيلة بتدبيرها.
دبلوماسية القادة أساس العلاقات..
جعل وزير الخارجية الصيني وانغ يي "الاستقرار الاستراتيجي البناء" في صلب مباحثاته الهاتفية، يوم 17 شتنبر الجاري، مع نظيره الأمريكي ماركو روبيو.
وبحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية الصينية، اعتبر وانغ يي أن العلاقات الصينية-الأمريكية تشهد،على العموم، تطورا قائما على "مسار الاستقرار الاستراتيجي البناء" الذي حدده قائدا البلدين.
كما قدم دبلوماسية قادة الدول باعتبارها أساس العلاقات الثنائية، داعيا الجانبين إلى تعزيز آليات التواصل، وتطوير التعاون، وتدبير الخلافات.
وعلى مستوى الخطاب الصيني، تبدو استمرارية الاتصالات على أعلى مستوى كوسيلة للحفاظ على التوجه السياسي للعلاقات، رغم استمرار الخلافات بشأن عدد من الملفات.
الاقتصاد.. الاختبار الأول
تسبق المحطة الدبلوماسية المقبلة جولة جديدة من المشاورات الاقتصادية يقودها نائب رئيس مجلس الدولة الصيني خي لي فنغ، على رأس وفد، لإجراء مباحثات في الولايات المتحدة خلال الفترة من 19 و23 شتنبر الجاري.
وأوضحت وزارة التجارة الصينية أن هذه المشاورات ستتناول القضايا الاقتصادية والتجارية ذات الاهتمام المشترك، مدعومة بالتوافقات التي توصل إليها قائدا البلدين.
وتشكل القضايا التجارية أحد المجالات الأولى التي يتعين فيها ترجمة مفهوم الاستقرار إلى إجراءات ملموسة.
غير أن الرهانات تتجاوز مسألة الرسوم الجمركية، بل تشمل مجالات الفلاحة والطاقة والاستثمارات والتكنولوجيات والمعادن الأرضية النادرة والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات تظل فيها المصالح الاقتصادية للقوتين مترابطة بشكل وثيق، في وقت تفرز فيه سياساتهما الصناعية والأمنية خطوط توتر جديدة.
وبالتالي، فإن الإشكالية تتعلق أيضا بمدى قابلية العلاقات الاقتصادية للتنبؤ، من خلال الحفاظ على مستوى مهم من المبادلات، مع تمكين الطرفين في الوقت ذاته من تدبير الخلافات القائمة.
الاستقرار دون التخلي عن التنافس..
تشكل التكنولوجيا، في هذا السياق، مجالا آخر لكشف طبيعة العلاقات بين البلدين. فالذكاء الاصطناعي والمواصلات والمعادن النادرة باتت تقع عند تقاطع التجارة والسياسة الصناعية والانشغالات المرتبطة بالأمن القومي.
وفي تحليل نشره مركز الأمن والاستراتيجية الدوليين بجامعة تسينغهوا، اعتبر الباحث المشارك بالمركز سون تشنغهاو، أن "الاستقرار الاستراتيجي البناء" يمثل توجها جديدا للعلاقات الصينية-الأمريكية.
وأوضح أن هذه المقاربة تعكس إرادة الطرفين للحيلولة دون تدهور علاقاتهما من خلال الحوار وتدبير الخلافات، مع الحفاظ على إمكانيات التعاون العملي.
وأكد أن هذا التعريف الجديد للعلاقات يروم، على الخصوص، "تدبير التنافس"، وتشجيع التعايش السلمي، وتعميق التعاون العملي .
وتتطابق هذه القراءة مع رؤية دا وي، الذي يرى أن الاستقرار الاستراتيجي يمكن أن يسهم أيضا في تحسين الاتصالات العسكرية، وتعزيز آليات تدبير الأزمات، وتوسيع نطاق التبادلات في المجالات التي تتقاطع فيها المصالح.
وهكذا، يبدو أن مفهوم الاستقرار لا يشكل بديلا عن التنافس، بقدر ما يمثل إطارا يروم الحيلولة دون تحول هذا التنافس إلى المبدأ الوحيد الناظم للعلاقات بين البلدين.
استقرار على المحك..
تواجه هذه المقاربة صعوبة أساسية تتمثل في أن تفعيله يظل رهينا بقدرة الطرفين على تحويل التفاهم السياسي بين القادة إلى آليات وقرارات ملموسة.
وتشكل المشاورات الاقتصادية التي يقودها خي لي فنغ والمباحثات الدبلوماسية التي جرت خلال الأسابيع الأخيرة، مراحل في هذا الاتجاه، غير أن المدى الفعلي للصيغة الجديدة سيظل مرتبطا بترجمتها على أرض الواقع في الملفات التي لا تزال المصالح الصينية والأمريكية بشأنها متباينة بشكل كبير.
وبالنسبة إلى بكين، لا يقتصر رهان قمة واشنطن على الحفاظ على أجواء ملائمة خلال اللقاء، بل يتمثل أيضا في تحديد ما إذا كان مفهوم العلاقة القائمة على الاستقرار الاستراتيجي البناء قادرا على توفير إطار مستدام بما يكفي لتدبير الخلافات، دون أن يؤدي ذلك إلى تعطيل مجالات التعاون.
وفي هذا التقاطع بين الاستقرار والتنافس تكمن أهمية زيارة شي جين بينغ، والمتمثلة في قياس مدى قدرة التعريف الجديد للعلاقات على التحول إلى ممارسات دبلوماسية واقتصادية واستراتيجية مستدامة.
و م ع
زيارة الرئيس الصيني لواشنطن..بكين تراهن على "علاقات قائمة على الاستقرار الاستراتيجي"
اترك تعليقاً
شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.