المملكة المتحدة: خيارات صعبة تنتظر بيرنهام في داونينغ ستريت

المملكة المتحدة: خيارات صعبة تنتظر بيرنهام في داونينغ ستريت

يستعد آندي بيرنهام، الذي توج بانتخابه دون منازع على رأس حزب العمال، ثم ك لف بخلافة كير ستارمر في منصب رئيس الوزراء البريطاني، لتولي قيادة حكومة تواجه تحديات متعددة.

فمن أزمة غلاء المعيشة إلى العلاقات مع الولايات المتحدة، مرورا بالمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، وإنعاش الاقتصاد والإصلاحات الداخلية، سيكون على رئيس بلدية مانشستر الكبرى السابق أن يبرهن، في وقت وجيز، على قدرته على تحويل شعبيته إلى نتائج ملموسة.

وبعد إعادة انتخابه مرتين على رأس مانشستر الكبرى، قبل أن يفوز بفارق كبير في الانتخابات الجزئية بدائرة ميكرفيلد، وهي محطة مهمة في مساره نحو الوصول إلى داونينغ ستريت، يحظى بيرنهام بصورة قوية كسياسي بارع في التواصل وقريب من الناخبين.

وقد سهل أسلوبه التوافقي وشعبيته داخل حزب العمال إلى حد كبير في وصوله إلى السلطة، غير أن هذه الشعبية ستواجه سريعا اختبارا صعبا في ظل التحديات الاقتصادية التي تثقل كاهل البلاد.

ويرث رئيس الحكومة المرتقب اقتصادا أضعفته أزمات متلاحقة. فما تزال معدلات النمو الضعيفة، وركود مستوى المعيشة، وتداعيات خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، والارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، تؤثر في الأسر كما في المقاولات.

وفي هذا السياق، سيكون على بيرنهام إيجاد التوازن بين دعم النمو والحفاظ على الانضباط المالي.

ويرى محللون أن تدبير المالية العامة سيشكل أحد أول الاختبارات التي ستواجه حكومته. فبينما تتزايد الدعوات إلى تعزيز الاستثمار العمومي وزيادة الإنفاق المخصص للدفاع، فإن ارتفاع الدين البريطاني وهشاشة الأسواق المالية يحدان من هامش المناورة، بحسب هؤلاء المحللين.

من جهتها، ترى المعارضة، وخاصة حزب "ريفورم يو كاي" المناهض للهجرة، بزعامة نايجل فاراج، أن الناخبين لا ينبغي أن يتوقعوا معجزات من حكومة عمالية بقيادة بيرنهام.

وينتقد فاراج، على وجه الخصوص، مواقف الزعيم الجديد لحزب العمال بشأن الهجرة، وهي القضية التي يحملها أنصار اليمين مسؤولية معظم المشاكل التي تعاني منها البلاد.

وسيكون على بيرنهام، وفق المحللين، التوفيق بين تطلعات أغلبيته وضرورة الحفاظ على ثقة المقاولات والمستثمرين، في مهمة بالغة الدقة في ظل استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي.

ويأتي إنعاش النمو الاقتصادي أيضا ضمن أولوياته. فقد أكد بيرنهام، في خطاب ألقاه أمس الجمعة، عزمه دعم مرحلة جديدة من التصنيع في المملكة المتحدة، من خلال مساندة القطاعات الاستراتيجية، وخاصة التكنولوجيات الحديثة والذكاء الاصطناعي.

غير أنه سيكون مطالبا بإجراء عدد من المفاضلات المعقدة، خاصة بشأن مستقبل استغلال النفط والغاز في بحر الشمال، وهو ملف يثير قلق دعاة حماية البيئة.

كما قد تواجه الإصلاحات الرامية إلى تسريع وتيرة بناء البنيات التحتية والمساكن مقاومة من بعض الأطراف.

وعلى الصعيد الدولي، يتوقع أن يواصل رئيس الوزراء المرتقب نهج سلفه، لا سيما فيما يتعلق بالتزام المملكة المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

في المقابل، قد تمنح رؤيته للعلاقات مع الاتحاد الأوروبي زخما جديدا لمسار التقارب الذي انطلق خلال الأشهر الأخيرة بين لندن وبروكسل.

ورغم أن بيرنهام كان من أنصار بقاء المملكة المتحدة داخل الاتحاد الأوروبي خلال استفتاء سنة 2016 بشأن بريكست، فإنه يؤكد اليوم احترامه للخيار الذي عبر عنه البريطانيون، مع رغبته في تعميق التعاون مع التكتل الأوروبي.

ولا تزال المفاوضات جارية، خصوصا بشأن المبادلات الفلاحية والغذائية، وتنقل الشباب، والتعاون الصناعي. غير أن بعض الملفات، مثل الرسوم الجامعية المفروضة على الطلبة الأوروبيين أو القواعد التجارية المطبقة على صناعة السيارات، ما تزال من أكثر ملفات التفاوض حساسية.

ويرى محللون أن العلاقات مع الولايات المتحدة ستشكل بدورها أحد أبرز رهانات ولايته.

فبينما يعتزم بيرنهام الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن، سيكون مطالبا أيضا بتحديد موقفه من عدد من القضايا الدولية، وخاصة في الشرق الأوسط، حيث تعكس تصريحاته الأخيرة رغبته في التوفيق بين دعم الحلفاء التقليديين للمملكة المتحدة والاعتبارات الإنسانية.

ومن جهة أخرى، يعتزم بيرنهام مواصلة مشروعه الرامي إلى تعزيز اللامركزية عبر توسيع صلاحيات الجهات، إذ يسعى، على وجه الخصوص، إلى نقل جزء من الأنشطة الحكومية إلى مانشستر، بهدف الحد من التفاوتات المجالية بين لندن وبقية جهات البلاد.

وقد لقي هذا التوجه ترحيبا من عدد كبير من المنتخبين في شمال إنجلترا، لكنه أثار في المقابل انتقادات حزب المحافظين وحزب "ريفورم يو كاي"، اللذين يعتبران تجسيدا ل"سياسة منحازة بشكل مفرط لمناطق شمال البلاد".

وبين إنعاش الاقتصاد، وضبط المالية العامة، وإعادة صياغة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وإدارة السياسة الخارجية، ومواصلة الإصلاحات المؤسساتية، يبدأ بيرنهام ولايته في ظرفية تتسم بقدر كبير من التحديات.

وبرأي عدد من المحللين، فإن قدرة بيرنهام على اتخاذ قرارات قد تكون غير شعبية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ثقة البريطانيين، ستكون عاملا حاسما في ضمان استمرارية حكومته.
و م ع

اترك تعليقاً

شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.

Maroc24

حمّل تطبيق Maroc24، أخبار المغرب تصلك أولاً

تطبيق أخبار المغرب 24 يوفّر لكم متابعة مباشرة لكل الأحداث التي تهمّ المغرب ومغاربة العالم لحظة بلحظة، مع إشعارات فورية وتغطية شاملة لكل المستجدات.