قبل طلقة البارود.. يوم داخل سربة تبحث عن الانسجام الكامل

قبل طلقة البارود.. يوم داخل سربة تبحث عن الانسجام الكامل

قبل أن تدخل سربة "محمد أمين تلهوني" إلى "المحرك"، تكون ساعات طويلة من الاستعداد قد انقضت، ويكون عشرات الأشخاص قد أدوا أدوارا لا يراها الجمهور، من العناية بالخيول وتجهيز البنادق، إلى إعداد الفرسان وضبط أدق تفاصيل العرض.

وتشارك السربة القادمة من جهة الدار البيضاء-سطات في منافسات الجائزة الكبرى لصاحب الجلالة الملك محمد السادس للتبوريدة، التي تجرى أطوارها ضمن فعاليات الدورة الـ17 لمعرض الفرس للجديدة.

في خيمة السربة، وقبل موعد المشاركة، لا مكان للارتجال. كل شيء موزع سلفا: من يهتم بالخيول، ومن يتولى العلف والاستحمام، ومن يشرف على السروج والتجهيزات، ومن يتكلف بالبارود، ومن يضمن مختلف تفاصيل إقامة المجموعة.

ويقول أيوب كوكب، مسؤول التوثيق بالسربة، إن الاستعداد للطلقة لا يبدأ يوم المنافسة، بل قبل ذلك بأسابيع، من خلال تربص إعدادي بإحدى الضيعات يمتد لنحو أسبوع، ويخصص للتداريب المكثفة واختيار الخيول المناسبة والفرسان الأكثر جاهزية، فضلا عن ضبط لائحة المشاركين والاحتياطيين.

وتضم السربة 15 فارسا أساسيا وثمانية احتياطيين، فيما تتم المشاركة بـ18 حصانا، ضمنهم ثلاثة خيول احتياطية.

لكن، كما يقول كوكب، "السربة ليست فقط 15 فارسا يدخلون إلى المحرك، فهناك نحو 15 شخصا آخرين يعملون في الظل".

ومن هؤلاء محمد، المكلف بالعناية بالخيول، وإدريس، الذي يهتم بالبارود والتجهيزات والعتاد، إلى جانب عبد الرحيم ومحمد، اللذين يتوليان مختلف تفاصيل إقامة السربة خلال فترة المنافسات.

وبالنسبة إلى محمد وصيف، المكلف بالبارود أو "العمار"، يبدأ يوم المشاركة في وقت لا تزال فيه أجواء المعرض هادئة.

"نستيقظ في الثالثة صباحا"، يقول وصيف، موضحا أن أولى المهام تكون استحمام الخيول في وقت مبكر، ثم إعداد العلف لها، قبل تقديم الماء حوالي التاسعة صباحا.

بعد ذلك يأتي دور البنادق. تعرض لأشعة الشمس وتنظف بعناية، قبل أن تبدأ لاحقا واحدة من أكثر مراحل اليوم دقة: تعبئة البارود.

ويؤكد وصيف أن هذه العملية تخضع لمقاييس محددة لا يمكن تجاوزها، بالنظر إلى حساسيتها وما تتطلبه من خبرة في التعامل مع البارود.

وفي الجانب الآخر من الخيمة، ينشغل الفرسان بتحضيرات من نوع مختلف.

يشرح كوكب أن صباح يوم المنافسة يكون وقتا لأقصى درجات التركيز. يجتمع أفراد السربة، يناقشون العرض، ويشاهدون تسجيلات لطلقات سابقة، بحثا عن التفاصيل التي يمكن تصحيحها والأخطاء التي ينبغي تفاديها.

ومع اقتراب موعد الدخول للمحرك، تبدأ مرحلة ارتداء الملابس وتجهيز الفرسان، فيتعاون أعضاء المجموعة على ضبط مختلف التفاصيل حتى يظهر كل فارس في أفضل هيئة.

ثم يأتي دور المقدم. يجتمع بالفرسان ويوجه إليهم كلمات تحفيزية، يدعوهم فيها إلى التماسك والتضامن وتشريف السربة، ويقدم لهم آخر التعليمات قبل الخروج.

ويقول كوكب إن للمقدم مكانة خاصة ومركزية داخل المجموعة، وإن كلماته تقابل دائما بالتقدير والانتباه.

وقبل مغادرة الخيمة، تقرأ الفاتحة وآيات من القرآن، ويحرص الفرسان، بحسبه، على دخول المحرك وهم على وضوء.

بعد ذلك تبدأ مرحلة أخرى من التوتر.

تغادر السربة خيمتها، ثم تتم تعبئة البنادق بالبارود بتنسيق مع السلطات المختصة، قبل أن يصطف الفرسان في انتظار دورهم.

في هذه اللحظات، تنتقل كل التحضيرات السابقة إلى اختبار قصير وحاسم.

وتؤدي السربة عروضها وفق الطريقة الشرقاوية، حيث يوجه المقدم صيحاته لضبط حركة الفرسان وتوقيت مراحل العرض، وصولا إلى لحظة إطلاق البارود.

بالنسبة إلى محمد المالكي، المهتم بتراث التبوريدة، تختصر الطلقة الواحدة مجهود أسابيع كاملة.

ويقول إن ما يسبقها ليس خوفا بقدر ما هو ضغط نابع من الرغبة في تقديم أفضل أداء ممكن، مؤكدا أن الجيل الجديد من الفرسان يتمتع بمهارة ودقة وقوة كبيرة.

أما محمد وصيف، الذي يكون قد أنهى مهمته في تعبئة البارود، فلا يستطيع متابعة تلك اللحظة بسهولة. "عندما يستعدون للطلقة أدير وجهي خلف المحرك"، موضحا أن التوتر يمنعه أحيانا من المشاهدة.

ثم ينتظر الصوت. فإذا جاءت الطلقة منسجمة، وتحولت إلى تصفيقات وهتافات من الجمهور، يتبدل التوتر سريعا إلى ارتياح وفرحة.

ويصف أفراد السربة هذه اللحظة بأنها لحظة نشوة خاصة، خصوصا عندما يشعرون بأن ما تدربوا عليه طيلة أسابيع ظهر، ولو لثوان قليلة، كما كانوا يريدون.

لكن العرض لا ينتهي عند حدود المحرك.

فبعد العودة إلى الخيمة، يستمر الاهتمام بالخيول والتجهيزات، فيما يبقى استقبال الضيوف وحسن الضيافة جزءا أساسيا من هوية السربة، التي يتكون طاقمها، بحسب كوكب، من الشباب.

وفي نهاية المطاف، لا يرى الجمهور داخل المحرك سوى 15 فارسا مصطفين في صف واحد. أما خلف تلك الصورة، فهناك خيول يتم إعدادها منذ الثالثة صباحا، وبنادق تنظف وتملأ بعناية، وفرسان يراجعون أخطاءهم، وأشخاص يعملون بعيدا عن الأضواء، قبل أن تتجلى كل هذه التفاصيل في لحظة واحدة: طلقة ينتظر الجميع أن تأتي منسجمة.
و م ع

اترك تعليقاً

شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.

Maroc24

حمّل تطبيق Maroc24، أخبار المغرب تصلك أولاً

تطبيق أخبار المغرب 24 يوفّر لكم متابعة مباشرة لكل الأحداث التي تهمّ المغرب ومغاربة العالم لحظة بلحظة، مع إشعارات فورية وتغطية شاملة لكل المستجدات.