توقف الأديب والناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو، مساء السبت بطنجة، عند الحوافز الكامنة وراء فعل القراءة والكتابة، مسلطا الضوء على دورهما في الانفتاح على الثقافات الأخرى واكتشاف عوالم جديدة، وكذا مراجعة القراءات السابقة وتجاوز بعض الأخطاء التأويلية.
وأوضح كيليطو، خلال محاضرة بعنوان "لماذا نقرأ الأدب؟"، ألقيت بمناسبة افتتاح الدورة الرابعة عشرة للمعرض الجهوي للكتاب والنشر بطنجة، أن القراءة والكتابة تتيحان، كذلك،" فرصة لتصحيح أو تدارك بعض الأخطاء وإعادة النظر في قراءات أو كتابات سابقة"، مستحضرا في هذا السياق أطروحة الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار حول الكتابة باعتبارها "تجاوزا مستمرا للأخطاء بمختلف أنواعها".
وبعد أن جدد التأكيد على أن "سوء الفهم أثناء القراءة هو الذي يجعل الأدب يغتني ويتطور ويفتح المجال لكتابة جديدة"، توقف الأديب المغربي عند تجربة شخصية في قراءة الشعر العربي القديم، مستعرضا ما وصفه ب"خطأ أدبي، أو بالأحرى معجمي" لازم قراءته لبيت الشاعر أبي تمام : "وطول مقام المرء في الحي مخلق/ لديباجتيه فاغترب تتجدد"، قبل أن يتبين له، إثر اطلاعه على ترجمة إسبانية للبيت، أن لفظ "ديباجتيه" يحيل إلى الخدين، وليس إلى الثوب كما فهمه سابقا.
وأشار إلى أن هذا التأويل ظل حاضرا في كتابيه "الأدب والغرابة" و"سراق اللغة" لعقود، قبل أن يعيد النظر فيه بناء على ملاحظة قدمتها له الباحثة الأمريكية بجامعة تينيسي، مانويلا ثيبايوس، Manuela Ceballos التي تعمل على ترجمة فصل من كتابه الأخير "سراق اللغة" ضمن أنطولوجيا حول قراءة الأدب العربي الكلاسيكي.
واعتبر كيليطو أن هذه التجربة تكشف أهمية مراجعة القراءات السابقة والانفتاح على تأويلات جديدة، مبرزا أن الخطأ في قراءة النص الأدبي قد يفتح المجال أمام أسئلة وكتابات جديدة، ويسهم في إغناء الأدب وتطوير فهمه.
وفي سياق متصل، استحضر بيت أبي تمام الشهير "كم منزل في الأرض يألفه الفتى، وحنينه أبدا لأول منزل"، متأملا دلالاته المرتبطة بالذاكرة والحنين واستحالة استعادة الماضي بالصورة التي ترسخت في الوجدان.
وفي رأي كيليطو فإن عودة الإنسان إلى المكان الأول، بعد سنوات طويلة، لا تعني بالضرورة استعادة تجربته السابقة، إذ قد يبدو المكان مختلفا عما احتفظت به الذاكرة، بما يجعل العودة أشبه باكتشاف جديد، مستشهدا في هذا الإطار بمقطع للشاعر توماس ستيرنز إليوت حول بلوغ نقطة الانطلاق والتعرف عليها للمرة الأولى.
كما ربط كيليطو بين هذه التأملات الشعرية وبيت آخر لأبي تمام يقول فيه "نق ل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول"، متسائلا عن دلالة "الحبيب الأول"، قبل أن يستحضر مطلع معلقة امرئ القيس "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"، باعتباره عودة إلى أحد الجذور المؤسسة للشعر العربي.
وخلصت مداخلة الأديب المغربي إلى إبراز التفاعل المستمر بين النصوص الأدبية عبر العصور والثقافات، وكيف يظل القارئ مدعوا إلى إعادة اكتشاف النصوص المألوفة من زوايا جديدة، بما يمنح القراءة إمكانات متجددة للفهم والتأويل.
وتستمر فعاليات المعرض الجهوي للكتاب والنشر بطنجة الى غاية يوم 16 من أكتوبر الجاري ببرنامج غني يجمع بين الندوات والورشات والتوقيعات والأمسيات الشعرية .
و م ع
اترك تعليقاً
شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.