سجل مجلس النواب الجديد حضورا نسائيا متزايدا، بعدما بلغ عدد البرلمانيات 107 نائبة من أصل 395 عضوا، أي ما يمثل نحو 27,1 في المائة من مجموع أعضاء المجلس، ضمنهن 15 نائبة برلمانية راكمن تجربة سابقة داخل المؤسسة التشريعية.
ويأتي هذا التطور العددي، مقارنة بـ 96 برلمانية خلال الولاية التشريعية المنتهية، متزامنا مع تطور لافت في عدد النساء المنتخبات عبر الدوائر المحلية، الذي انتقل من ست برلمانيات سنة 2021 إلى 17 في الاستحقاق الحالي، بالإضافة إلى 90 نائبة برلمانية عبر اللوائح الجهوية.
هذا الحضور المتزايد للنساء داخل المؤسسة التشريعية، بالإضافة إلى سؤال التمثيلية العددية، يفتح أيضا النقاش حول جودة هذا الحضور وفاعليته ومدى ترجمته إلى تأثير فعلي في العمل البرلماني، سواء من خلال ممارسة الاختصاصات الدستورية أو الولوج إلى مواقع المسؤولية داخل المجلس ومكتبه ورئاسة اللجان والفرق البرلمانية.
مسار تراكمي للتمثيلية ترى الأستاذة الباحثة في العلوم السياسية والقانون الدستوري، كريمة غراض، أن الارتفاع المسجل في عدد البرلمانيات، من 96 إلى 107، أي بزيادة 11 مقعدا، يمثل "تطورا مهما في مسار التمثيلية السياسية للنساء بالمغرب خصوصا إذا تمت مقاربته من خلال التراكم الذي ميز التجربة المغربية في إطار التمييز الإيجابي منذ اعتماده سنة 2002".
وأوضحت الباحثة، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن هذا التطور يعكس قناعة راسخة بضرورة حضور المرأة في المشهد السياسي، مشددة في المقابل على أن قياس هذا التحول لا يتوقف عند عدد البرلمانيات، وإنما يمتد إلى حضورهن في هياكل مجلس النواب.
وأشارت، في هذا الصدد، إلى العضوية في مكتب المجلس، رئاسة اللجان، مواقع المسؤولية داخل الفرق البرلمانية، فضلا عن الحضور القوي في التشريع وممارسة الرقابة على الحكومة.
وبخصوص ارتفاع عدد النساء البرلمانيات المترشحات في الدوائر المحلية، باعتباره ضمن المعطيات اللافتة في نتائج انتخابات 2026، اعتبرت السيدة غراض أن هذا المعطى يبرز أن وصول النساء إلى البرلمان "لم يعد محصورا في الآلية التي تؤطرها الكوطا، بل دخل إلى موقع التنافسية المباشرة"، فضلا عن 90 مقعدا خصصت ضمن اللوائح الجهوية حصريا للنساء.
غير أن قراءة هذا المعطى، بالنسبة للباحثة، تقتضي قدرا من الحذر، لاسيما عند ربطه بتحول كبير في مواقف الأحزاب والناخبين تجاه قدرة النساء على المنافسة والفوز في الدوائر المحلية.
وفي هذا الصدد، تؤكد السيدة غراض أن الرقم المسجل "مؤشر على تطور تدريجي في التعاطي مع حضور المرأة في المشهد السياسي وفي المؤسسة التشريعية"، لكنه في المقابل "لا يسمح وحده بإثبات حدوث تحول عميق ونهائي في مواقف الأحزاب والناخبين".
التمكين، التأثير والقيادة وإذا كان ارتفاع عدد البرلمانيات، وانتقال جزء منهن إلى المنافسة المباشرة، يمثلان تطورا على مستوى التمثيلية، فإن السؤال الأهم يظل مرتبطا بما إذا كان هذا الحضور العددي سينتج حضورا موازيا على مستوى التشريع والرقابة والتأثير في القرار البرلماني.
وفي هذا الصدد، ترى الباحثة أن التمثيلية العددية "مهمة لأنها تمنح النساء كتلة برلمانية أوسع، وتوفر لهن إمكانات أكبر للتعبير عن قضايا المجتمع والدفاع عن أولويات مختلفة داخل النقاش التشريعي والرقابي"، منبهة في المقابل إلى أن "العدد لا ينتج التأثير بصورة آلية".
وأضافت أن التأثير يتعلق أولا بمدى قدرة البرلمانيات على الوصول إلى مواقع القرار داخل المجلس، وعلى مستوى رئاسة اللجان والفرق ومكتب المجلس، ثم بمدى حضورهن في المبادرات التشريعية والأسئلة البرلمانية ومناقشة السياسات العمومية وممارسة الرقابة على العمل الحكومي.
ومن هذا المنطلق، تعتبر السيدة غراض أن الولاية التشريعية الحالية ستكون "اختبارا مهما للانتقال من التمثيلية إلى الفاعلية"، مشددة على ضرورة "ألا يبقى السؤال محصورا في عدد النساء اللواتي استطعن ولوج البرلمان، وإنما في حجم مساهمتهن ومبادرتهن التشريعية ".
الانتقال من نائبتين سنة 1993 إلى 117 سنة 2026 تراه الأستاذة في العلوم السياسية دليلا على "الحداثة في التعامل مع التمثيلية النسائية"، ومعه يصبح الرهان معقودا على "جودة هذه المشاركة ومواقعها داخل هرم القرار البرلماني".
وفي هذا السياق، تحدد السيدة غراض أربعة مستويات مترابطة ينبغي أن تركز عليها المرحلة المقبلة، وهي التمثيلية، التمكين، التأثير، ثم القيادة، موضحة أن "الحضور في البرلمان يمثل بداية المسار، وليس نهايته".
وشددت على أن المؤشر الأعمق على تطور المشاركة النسائية سيتحدد من خلال الحضور في مواقع المسؤولية، وقدرة البرلمانيات على قيادة اللجان والفرق، والمساهمة في التشريع والرقابة، والتأثير في ترتيب الأولويات السياسية والعمومية.
وبذلك تضع انتخابات 2026، وفق هذا التحليل، مسألة التمثيلية النسائية أمام مرحلة جديدة لا يختزل معيارها في عدد المقاعد التي حصلت عليها النساء، وإنما في مدى قدرتهن على تحويل هذا الحضور إلى مشاركة مؤثرة وفاعلة في المؤسسة التشريعية، بما تفرضه المرحلة من رهانات سياسية واجتماعية.
و م ع
تمثيلية النساء بمجلس النواب.. من التطور العددي إلى رهان التأثير في العمل البرلماني
اترك تعليقاً
شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.