لم تنته بعد الإثارة الديمقراطية في البرازيل، حيث يدخل الصراع بين اليسار واليمين فصلا جديدا يستمر ثلاثة أسابيع. وخلافا لكل التوقعات، تمكن السناتور المحافظ فلافياو بولسونارو من التفوق على رئيس الدولة المنتهية ولايته، لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم الأحد.
وهكذا، تصدر الابن الأكبر للرئيس السابق جاير بولسونارو، ذي الخمس والأربعين سنة، السباق الانتخابي بنسبة 47,03 في المائة من الأصوات الصحيحة، مقابل 45,16 في المائة لمنافسه اليساري. ورغم أن أيا من المرشحين لم يتمكن من تجاوز عتبة الأغلبية المطلقة لضمان الفوز، إلا أن عضو مجلس الشيوخ يدخل هذه المرحلة النهائية من السباق في موقع قوة، مدعوما بتفوق يبلغ 1,87 نقطة مئوية.
وأبقت عملية فرز الأصوات البلاد في حالة ترقب. ففي الساعات الأولى من عملية فرز الأصوات الإلكترونية التي أجرتها المحكمة الانتخابية العليا، تصدر مرشح الحزب الليبرالي السباق، محققا تقدما بعشر نقاط على الزعيم التاريخي لليسار، بل وكاد لبرهة أن يفوز في الجولة الأولى.
ولم يتقلص هذا الفارق بشكل كبير إلا مع تقدم ساعات المساء، بفضل الإدراج التدريجي لنتائج الاقتراع من معاقل اليسار في الشمال والشمال الشرقي، مما أنقذ لولا من هزيمة مبكرة. ويطرح هذا النزال سؤالا حاسما بشأن مستقبل المنطقة: هل سيرسخ عملاق أمريكا الجنوبية تموقعه إلى جانب المكسيك في صف اليسار، أم سيجنح بدوره إلى اليمين، بعد الشيلي وكولومبيا؟
وفي أول تجربة له في المنافسة على الرئاسة، يتبنى فلافيو بولسونارو بالكامل الإرث السياسي لوالده؛ غير المؤهل للترشح والخاضع للإقامة الجبرية بعد إدانته بالسجن 27 سنة بتهمة التخطيط للانقلاب. وفي المقابل، يخوض لويس إيناسيو لولا دا سيلفا غمار ولاية رئاسية رابعة عشية بلوغه الحادية والثمانين من عمره، بعدما تولى حكم البلاد بين عامي 2003 و2010، قبل ان يستعيد مقاليد السلطة عام 2023. وفي هذا البلد الذي يعد فيه التصويت إلزاميا، بلغت نسبة المشاركة 79 في المائة من أصل نحو 159 مليون ناخب مسجل.
السباق المحموم لاستقطاب أصوات معسكر الخاسرين
ويفتح الفارق الضئيل الذي يفصل بين المرشحين المتأهلين للجولة الثانية الباب أمام سباق محموم لاستقطاب أصوات الناخبين الذين أصيبوا بخيبة أمل في الجولة الأولى، وتحفيز 33 مليون ناخب ممتنع عن التصويت، الذين سيحسمون نتائج هذا الاقتراع.
أما بقية المرشحين، فقد حلوا خلف الثنائي المتصدر بفارق كبير؛ إذ لم يتمكن أي منهم من تجاوز عتبة الـ 3 في المائة. فقد حصل الكاتب أوغوستو كوري على 2.89 في المائة من الأصوات، متقدما على رجل الأعمال رينان سانتوس الذي نال 2.24 في المائة، والحاكم السابق لولاية غوياس، رونالدو كايادو، الحاصل على 2.18 في المائة. ورغم تواضع هذه النتائج، فإنها بمجموعها تشكل خزانا انتخابيا ثمينا سيسعى المعسكران إلى استقطابه.
ومن مقره في برازيليا، سعى فلافيو بولسونارو، وإلى جانبه زوجته فيرناندا، إلى الاستفادة من الزخم الذي حققه، متبنيا نبرة المنتصر قائلا: "إنها نهاية عهد حزب العمال.. لقد أعلن انتهاء عهدهم"، معربا عن سعادته باقترابه الشديد من حسم الجولة الأولى بفارق ضئيل جدا.
أما لولا، الذي تأثر بهذه النتيجة، فقد أقر بأنها "غير متوقعة"، وهو الذي كان قد خاض حملته الانتخابية على أمل حسم النتيجة مساء الأحد. وقال الرئيس المنتهية ولايته، وهو محاط بنائبه جيرالدو ألكمين والرئيسة السابقة ديلما روسيف: "ابتداء من الغد، سنبدأ حملة جديدة لإبراز الفروق بين المشاريع المقترحة لمستقبل البرازيل".
ويعتزم العامل السابق في صناعة المعادن اللعب على الوتر الحساس لقلب الموازين، من خلال التركيز على السيادة الصناعية، واستغلال العناصر الأرضية النادرة، وموارد النفط الجديدة، فضلا عن توفير بعض الأدوية مجانا عبر النظام الصحي العمومي.
وفي هذا الصدد، فإن التوزيع الجغرافي للأصوات كان حاسما، ويؤكد الانقسام الداخلي في هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه 214 مليون نسمة. فقد حافظ لولا على هيمنته في معاقله في الشمال والشمال الشرقي، في حين حصد فلافياو بولسونارو أغلبية الأصوات في المناطق الغنية في الجنوب والجنوب الشرقي والوسط الغربي. كونغرس أكثر محافظة
ورغم أن الغموض لا يزال يكتنف هوية من سيتولى مقاليد الحكم في قصر بلانتالتو، فإن نتيجة الانتخابات أصبحت بالفعل نهائية بالنسبة للسلطة التشريعية. فقد أسفرت عملية تجديد 513 مقعدا في مجلس النواب وثلثي مقاعد مجلس الشيوخ (54 مقعدا من أصل 81) عن مد محافظ حقيقي في البرلمان.
ففي مجلس النواب، فرض اليمين هيمنته بحصوله على 57 في المائة من المقاعد (292 مقعدا)، متقدما بفارق كبير على تيار الوسط (97 نائبا) واليسار (124 نائبا)، وهو نفس الاتجاه الذي اتخذه مجلس الشيوخ، حيث حصلت كتلة اليمين على أغلبية 49 مقعدا من أصل 81 مقعدا، مقابل 16 مقعدا للوسط و16 مقعدا آخر لليسار.
وستشكل هذه التركيبة الجديدة للسلطة التشريعية نقطة ارتكاز قوية لفلافيو بولسونارو، وعائقا كبيرا دائما للولا في حال إعادة انتخابه، إذ إن مآل مشروع قانون العفو لصالح جايير بولسونارو، وكذلك الموافقة على التعيينات المستقبلية الرئيسية في المحكمة العليا، سيتوقفان بالفعل على هذه الأغلبية.
وبالنسبة لمعسكر بولسونارو، تكتسي هذه الانتخابات طابع الإنجاز العائلي الكبير؛ إذا انتزعت السيدة الأولى السابقة ميشيل بولسونارو مقعدها في مجلس الشيوخ، بينما فاز ابنان آخران للرئيس السابق، هما كارلوس وجاير رينان، بالإضافة إلى شقيقه ريناتو، بمقاعد برلمانية.
وينعكس ميزان القوى هذا أيضا على المستوى الإقليمي؛ ففي ولاية ساو باولو، الرئة الاقتصادية للبلاد، حسم حاكم اليمين المنتهية ولايته، تارسيسيو دي فريتاس، إعادة انتخابه منذ الجولة الأولى، موجها بذلك ضربة قوية لفرناندو هداد، وزير المالية الأسبق في حكومة لولا.
كما انتزع سيرجيو مورو، القاضي الذي حكم على لولا بالسجن بتهم الفساد، قبل إلغاء إدانته عام 2021 بسبب عيوب إجرائية، منصب حاكم ولاية بارانا من الجولة الأولى. وأخيرا، وفي ريو دي جانيرو، فجر مرشح التيار البولسوناري، دوغلاس رواس، مفاجأة مدوية بتصدره الجولة الأولى بفارق كبير على إدواردو بايس، الحليف القوي للولا، والذي كان يتصدر كافة استطلاعات الرأي.
وإجمالا، سيتعين على سبع ولايات من أصل 26 بالإضافة إلى المنطقة الفيدرالية العودة إلى صناديق الاقتراع في 25 أكتوبر لحسم انتخاب حكامها.
بالنسبة إلى لولا وكذلك إلى فلافياو بولسونارو، لن تدوم الهدنة طويلا، إذ يتعين عليهما الآن كسب الأصوات التي لم يحصلا عليها، مع توقع تشكيل كونغرس أصبحت تركيبته الجديدة معروفة بالفعل.
و م ع
اترك تعليقاً
شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.