لولا أم بولسونارو.. البرازيل أمام ساعة الحسم

لولا أم بولسونارو.. البرازيل أمام ساعة الحسم

يتوجه البرازيليون إلى صناديق الاقتراع، يوم الأحد، ليحسموا خيارهم مجددا بين لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ومعسكر بولسونارو. وتأتي هذه المواجهة بطابعها المثير لتتجاوز مجرد منافسة انتخابية تقليدية لترسم ملامح مستقبل أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية وتحدد موقعه في منطقة تعيد تشكيل خارطتها السياسية لصالح التيار المحافظ.

فهل ستظل البرازيل معقلا لليسار في أمريكا اللاتينية إلى جانب المكسيك، أم تلتحق، بدورها، بالمد المحافظ على غرار الشيلي وكولومبيا؟

وفي هذا السباق الرئاسي، يسعى الرئيس لولا دا سيلفا المنتهية ولايته، وهو على أعتاب عامه الحادي والثمانين، إلى الفوز بولاية أخرى رابعة، مستندا إلى 12 عاما قضاها في السلطة، ليواجه فلافيو بولسونارو (45 عاما)، الذي يقود تيارا يمينيا عازما على استرداد مقاليد الحكم.

ويخوض المرشحان الأوفر حظا سباقا رئاسيا محتدما تتقارب فيه الحظوظ، مستأثرين بالمشهد الانتخابي بأكمله على حساب بقية المنافسين. وقبل يومين فقط من بدء الاقتراع، تشير التقديرات إلى أن مرشحي اليمين الآخرين، والذين تراجعوا بوضوح في استطلاعات الرأي، قد يكونون ورقة حاسمة لترجيح كفة الفائز خلال جولة الإعادة المرتقبة في 25 أكتوبر.

وفي هذا السياق، أكد الخبير السياسي فابيو ألبيرغاريا دي كيروز، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن هذه المعركة الانتخابية تعد "الأكثر ضراوة في التاريخ الحديث للبلاد"، موضحا أن حسم الفوز سيتوقف بالدرجة الأولى على "قدرة المرشحين على استمالة الكتلة الناخبة المترددة" من خارج قواعدهما التقليدية. وأضاف دي كيروز أن "مستقبل البلاد يوجد اليوم على المحك قبل أي شيء آخر"، إذ يمتد الرهان ليشمل التوجه السياسي والنموذج الاقتصادي، وصولا إلى التوازن بين السلطات.

الحصيلة في قلب المعركة

ولاستمالة الناخبين، يستند مرشح حزب العمال إلى مؤشرات إيجابية تشمل انخفاضا تاريخيا للبطالة، والتضخم المعتدل، وتراجع إزالة الغابات في الأمازون. وسعيا منه لتحصين قاعدته الشعبية، بادر رئيس الدولة بزيادة مخصصات برنامج الرعاية الاجتماعية "بولسا فاميليا" وحظر المراهنات الرياضية عبر الإنترنت التي باتت تستنزف ميزانية الأسر.

بيد أن هذه المؤشرات لا تكفي لتبديد المخاوف بشأن القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الجريمة؛ إذ سيجد ساكن قصر بلانالتو الرئاسي المقبل نفسه مجبرا على المناورة بين دين عام مرتفع واكراهات الميزانية كفيلة بجعل وعوده الانتخابية في مهب الريح.

في المقابل، يسعى فلافيو بولسونارو جاهدا لتقديم نسخة "أكثر اعتدالا" من والده الرئيس البرازيلي السابق، الذي يقضي عقوبته السجنية البالغة 27 عاما تحت الإقامة الجبرية بتهمة التخطيط لانقلاب خلال أحداث 8 يناير 2023. وتجد فئات من البرازيليين، الذين أنهكهم تفشي الجريمة، ضالتها في وعود مرشح الحزب الليبرالي، الذي تعهد بالصرامة في مواجهة هذه الآفة محتذيا في ذلك بالسياسة الصارمة التي تبناها الرئيس السلفادوري، نجيب بوكيلي؛ كما أنه لا يتوانى في تذكير خصمه بماضيه المرتبط بملفات الفساد وفترة اعتقاله قبل إلغاء إدانته. الكونغرس والمحكمة العليا: المعركة الأخرى

ففي اقتراع الأحد، لن يقتصر دور الناخبين البالغ عددهم 160 مليونا على اختيار رئيسهم الجديد فحسب، بل سيتعدى ذلك إلى تجديد مقاعد مجلس النواب وثلثي أعضاء مجلس الشيوخ.

ويكتسي هذا الاستحقاق التشريعي أهمية استراتيجية بالغة؛ إذ يمتلك البرلمان صلاحيات حاسمة لرسم مسار الإصلاحات والتفاوض بخصوص الميزانيات. والأهم من ذلك، أن المشرعين الجدد سيكونون أمام مهمة المصادقة على تعيين أربعة من بين القضاة الأحد عشر للمحكمة العليا أو عرقلته.

وتأثرت هذه المعركة التي تدور في الظل بأزمة غير مسبوقة تضرب أعلى هيئة قضائية في البلاد، إذ تبحث الشرطة الاتحادية في صلات تجمع عدد من القضاة بدانييل فوركارو، وهو مصرفي سابق يوجد في قلب فضيحة احتيال واسعة النطاق تهز أركان السلطة.

وتؤجج هذه القضية الانقسامات داخل الجسم القضائي وتلقي بضلالها على كلا المعسكرين. فهي تضعف، من جهة، فلافيو بولسونارو، المشتبه في ارتكابه تجاوزات مالية تتعلق بتمويل هذا المصرفي لفيلم عن والده ، وهي اتهامات ينفيها المرشح اليميني.

كما لا يسلم معسكر لولا بدوره من تداعيات هذا الملف، إذ سبق للمرشح اليساري أن أشاد مرارا بالقاضي المكلف بمحاكمة جاير بولسونارو، بينما بات هذا القاضي نفسه هدفا للتحقيقات. في الوقت نفسه، لا يستثني الجدل القضائي نجل الرئيس، فابيو لويس دا سيلفا، المعروف باسم «لولينها»، والذي يخضع بدوره للتحقيق بتهمتي الفساد واستغلال النفوذ.

التحدي الخارجي

ورغم تمسك البرازيل بدبلوماسية براغماتية متوازنة بين واشنطن وبكين، فإن هذا التوازن يواجه اختبارا حقيقيا منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في أوائل عام 2025؛ إذ تفسر السياسات الأمريكية الراهنة، بما تتضمنه من رسوم جمركية مرتفعة، وعقوبات بموجب قانون ماغنيتسكي، وتحقيقات تجارية، فضلا عن تصنيف عصابتين كمنظمتين إرهابيتين، التقلبات التي تشهدها العلاقة بين ترامب ولولا.

وتشتد هذه التوترات بشكل خاص في ظل إعلان فلافيو بولسونارو تقاربه مع واشنطن، في حين يرفع فيه لولا شعار السيادة الوطنية محركا لحملته الانتخابية. ومع ذلك، فإن أي تناوب على السلطة لصالح اليمين لن يقطع العلاقات الاستراتيجية مع بكين؛ إذ يظل لوبي الأعمال الزراعي القوي، الذي يشكل العمود الفقري لكتلة الناخبين المحافظين، معارضا بنيويا لأي تباعد مع الصين، باعتبارها الشريك التجاري الأول للبلاد.

ويؤكد ماركوس فينيسيوس دي فريتاس، الأستاذ في جامعة الشؤون الخارجية الصينية والمتخصص في العلاقات الدولية إن "الحكومة المقبلة ستجد نفسها مضطرة للتحرك في سياق عالمي أكثر تنافسية، مضيفا أن أي تقارب مع الأسواق التقليدية يجب أن يقاس بالنتائج الملموسة في مجالات الاستثمار والتكنولوجيا والإنتاج الصناعي.

وتنعكس هذه الصدارة الاقتصادية على الصعيد الإقليمي؛ ففي حين تشهد أمريكا اللاتينية مدا محافظا، يظل تموضع الحكومات رهنا بأولويات كل دولة. ووفقا للسيد دي فريتاس، فإن "القيادة الإقليمية تستلزم الحضور الفاعل، والقدرة على التفاوض، والجرأة في مواجهة الضغوط الخارجية."

وبعيدا عن ثنائية الصراع بين لولا وبولسونارو، إلى أي مدى تعتزم البرازيل الحفاظ على توازناتها الداخلية والخارجية؟ وإلى أي حد تبدو مستعدة لتعديل في سبيل اتخاذ مسار جديد؟"
و م ع

اترك تعليقاً

شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.

Maroc24

حمّل تطبيق Maroc24، أخبار المغرب تصلك أولاً

تطبيق أخبار المغرب 24 يوفّر لكم متابعة مباشرة لكل الأحداث التي تهمّ المغرب ومغاربة العالم لحظة بلحظة، مع إشعارات فورية وتغطية شاملة لكل المستجدات.