نظمت أسرة المقاومة وجيش التحرير بإيموزار مرموشة يوم أمس الخميس، احتفالا تخليدا للذكرى ال71 لانطلاق العمليات الأولى لجيش التحرير بالأقاليم الشمالية للمملكة، والتي جسدت معلمة وضاءة في سجل ملاحم مناهضة الوجود الأجنبي من أجل استقلال المغـرب ووحدته.
وتم خلال هذا اللقاء الذي حضره عامل إقليم بولمان علال الباز، استحضار ما قدمه أبناء إيموزار مرموشة وقبائلها وما أبدوه من ثبات في الدفاع عن أرضهم والذود عن حريتهم، متآزرين مع قبائل آيت سغروشن وآيت يوسي وقبائل الجوار، وهو التلاحم الذي برز في الهجمات التي استهدفت القوات الفرنسية بتاغزوت في يناير ويونيو 1916، ثم في معركة سكورة يوم 8 يوليوز 1917، التي ألحقت بالقوات العسكرية الفرنسية خسائر جسيمة في الأرواح والعتاد.
وفي كلمة بالمناسبة ذكر السيد مصطفى الكثيري المندوب السامي للمقاومة وجيش التحرير أنه في مثل هذا اليوم من شهر أكتوبر سنة 1955، شهدت إيموزار مرموشة ليلة فاتح وثاني أكتوبر 1955 هجوما منظما ضمن العمليات الأولى لجيش التحرير بشمال المغرب. وقد سبقت الهجوم عملية نقل الأسلحة من الناظور، ثم اجتماع سري لرؤساء الخلايا يوم 29 شتنبر 1955 لتحديد الأهداف وتوزيع المقاومين إلى ست فرق. وعند منتصف الليل، تجمع حشد من المقاومين بمنطقة «البير أو قشور» قرب رأس العين، قبل مهاجمة الثكنة العسكرية وثكنة الفرقة الثانية والعشرين للكوم وحصن القوات المساعدة بكاسكاد ومنزل الرائد «بو» «Beau» ومرافق الإدارة والاتصال الاستعمارية.
وأضاف أن المقاومين تمكنوا من الاستيلاء على أسلحة وذخيرة، وتحرير المعتقلين، وتدمير مركز الاتصال اللاسلكي، فيما ق تل الرائد «بو» «Baud» والمراقب المدني «أنتيي» «Antier»، وأصيب القبطان «شوسيـي» «Chaussier»، بجروح بليغة. ومع التحاق أعداد من سكان القبائل، اتسعت المواجهة واستمر حصار مواقع القوات الاستعمارية طوال يوم 2 أكتوبر 1955، رغم الغارات الجوية، إلى أن وصلت التعزيزات البرية مساء. وانسحب المقاومون نحو «المعراض» ومرتفعات بويبلان، ثم واصلوا انتقالهم إلى قواعد جيش التحرير بالشمال. وأعقبت المعارك إجراءات قمعية شملت منع التجوال وحملات التمشيط والاعتقال وإحراق المنازل، فيما تشير الوثائق التاريخية إلى تنفيذ عشرة أحكام بالإعدام.
وأوضح أن الانطلاقة المظفرة للعمليات الأولى لجيش التحرير بشمال الوطن في فاتح وثاني أكتوبر 1955، شكلت منعطفا حاسما في مسار الكفاح الوطني الذي خاضه الشعب المغربي الأبي بقيادة العرش العلوي المنيف من أجل نيل الحرية والاستقلال، ومثلت ضغطا سياسيا على السلطات الاستعمارية التي أذعنت لموقف جلالة المغفور له محمد الخامس تجاه الحكومة الفرنسية التي ما كان لها إلا أن ترضخ لعودته المظفرة من منفاه بجزيرة مدغشقر وفتح باب النقاش والمفاوضات من أجل استقلال البلاد وحريتها.
كما تطرق السيد الكثيري الى الأعمال الجليلة لأسرة المقاومة وجيش التحرير بإيموزار مرموشة منذ بداية التغلغل الاستعماري في مطلع عشرينيات القرن الماضي، بعد أن اعتمدت القيادة الاستعمارية خطة لتطويق إيموزار مرموشة انطلاقا من ميسور وبولمان وصفرو، وإقامة المراكز العسكرية، وتسخير المدفعية والطيران، سعيا إلى إحكام السيطرة على الأطلس المتوسط الشمالي الشرقي وتأمين الاتصال بين شرق المغرب وغربه وقطع سبل التواصل بين المقاومة الجبلية والمقاومة الريفية.
وأوضح أنه في مواجهة هذا الزحف، عززت القبائل تحالفاتها، واستثمرت معرفتها بمسالك الجبال ووعورة تضاريسها في نصب الكمائن وشن الهجمات المباغتة، بمساهمة قيادات مقاومة من أبرزها سيدي رحو أوعرفا؛ فتوالت المواجهات بأزينوز وتيزي أدني وبوخاموج والمرس وآيت مخلوف وآيت بازة وآيت مساعد وجبل إدلان، وبلغت المواجهات ذروتها في معركة جبل عياض يومي 10 و11 شتنبر 1925، حيث تكبدت القوات الغازية خسائر بشرية مهمة.
وأضاف أنه خلال سنة 1926، صعد الاحتلال عملياته، مشددا الحصار ومكثفا القصف والزحف نحو تالزمت ومرتفعات بويبلان، ومتوسلا بسياسة الأرض المحروقة وتدمير موارد العيش، مما خلف مجاعة ومعاناة أضعفت قدرة القبائل على مواصلة القتال. ورغم تمكن المحتل من إخضاع معظم المنطقة في يوليوز من السنة نفسها، فإن جيوب المقاومة ظلت تنازعه السيطرة إلى مطلع سنة 1927، شاهدة على صمود هذه الربوع وإصرار أهلها على مواجهة الاحتلال، على جسامة التضحيات واختلال موازين القوى.
ومن جهة أخرى أوضح السيد الكثيري أن المندوبية لسامية للمقاومة وجيش التحرير وضمن إحداث شبكة فضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير والتي بلغ عددها 109 وحدة –فضاء، أنجزت أربعة منها بإقليم بولمان وتحديدا بكل من ميسور وإيموزار مرموشة وأوطاط الحاج وآخرها ببولمان الذي تم تدشينه بتاريخ 7 يوليوز 2026.
وثمن السيد الكثيري بإكبار ما ورد في الخطاب الملكي السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله ليوم الجمعة 31 أكتوبر 2025، عقب صدور القرار الأممي رقم 2797 القاضي باعتماد مبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية المسترجعة تحت السيادة المغربية كأساس وحيد ومرجع أوحد لكل تفاوض حول مستقبلها، حيث قال جلالته مخاطبا الشعب المغربي ومن خلاله العالم أجمع: "إننا نعيش مرحلة فاصلة، ومنعطفا حاسما، في تاريخ المغرب الحديث. فهناك ما قبل 31 أكتوبر 2025، وهناك ما بعده. لقد حان وقت المغرب الموحد، من طنجة إلى الكويرة، الذي لن يتطاول أحد على حقوقه وعلى حدوده التاريخية".
وخلال هذا الحفل جرى تكريم خمسة من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير الراحلين لما برهنوا عنه من غيرة وطنية وروح المسؤولية والتضحية وقيم الالتزام والإيثار ونكران الذات، سيحفظها لهم التاريخ بمداد الفخر والإعجاب.
ويتعلق الأمر بكل من المقاوم المرحوم علي الدخيسي، والمقاوم المرحوم لحسن حركات، والمقاوم المرحوم الحسين اعقى المنصوري، والمقاوم المرحوم سعيد بوغلام، والمقاوم المرحوم حدو بوقريعة.
كما تم بالمناسبة تخصيص إعانات مالية لعدد من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وأرامل المتوفين منهم ممن هم في وضعية العوز المادي والعسر الاجتماعي، وتعدادها 30 إعانة مالية كإسعاف اجتماعي.
و م ع
اترك تعليقاً
شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.