لشبونة تحت مسارات الطيران.. أو حينما يصبح الضجيج جزءا من حياة المدينة

لشبونة تحت مسارات الطيران.. أو حينما يصبح الضجيج جزءا من حياة المدينة

 للطائرة العابرة فوق لشبونة حكايتان: واحدة يحملها المسافر إلى وجهته، وأخرى يتركها هدير المحركات في المدينة. تنتهي الأولى عند الوصول، فيما تتجدد الثانية مع كل عبور فوق البيوت. وعلى سطح أحد هذه البيوت، قرر أنطونيو بوافنتورا أن يمنح الصوت العابر ذاكرة.

لا يبعد منزله سوى 1,4 كيلومترا عن المدرج 02 بمطار هومبرتو ديلغادو. هناك، تحت أحد مسارات الاقتراب، اجتمع شغف الهاوي بالطيران وفضول الساكن الذي يريد أن يفهم سماءه القريبة: أي طائرة تمر؟ وعلى أي ارتفاع؟ وما مستوى الصوت الذي يصل منها إلى البيت؟.

يقول بوافنتورا، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن هذه الأسئلة رافقته أشهرا وهو جالس في المكان نفسه، قبل أن يدفعه غياب الجواب إلى البحث عنه بنفسه: "لم يكن أحد يملك هذه الإجابة، ولا أنا".

ومن تلك الأسئلة البسيطة ولدت محطة رصد صغيرة تعمل، منذ ماي الماضي، على مدار الساعة، وتمنح الطائرات العابرة بطاقات رقمية تسجل هويتها وارتفاعها وسرعتها والذروة الصوتية المصاحبة لمرورها. وما كان ينقضي في الهواء خلال ثوان صار يبقى على منصة "Lisbon Finals"، متاحا للعموم.

وبحسب بوافنتورا، كانت المحطة قد رصدت، حتى الرابع من شتنبر، 40 ألفا و955 رحلة منذ الثالث من ماي، والتقطت أكثر من 28 ألف صورة، فيما تجاوزت الذروة الصوتية المسجلة عند نقطة القياس 95 ديسيبل أثناء مرور أزيد من عشرة آلاف رحلة.

غير أن صاحب المنصة يتحفظ حين ينتقل الحديث من التسجيل إلى إصدار الأحكام. فالمحطة، كما يقول، "لا تنحاز إلى أي طرف"، ولا تملك جميع المعلومات اللازمة للجزم بأن رحلة بعينها خالفت القواعد. ويلخص غايتها بقوله: "ما تفعله المحطة هو جعل ما هو قائم مرئيا، بأرقام قابلة للتحقق، حتى يتمكن كل شخص من استخلاص استنتاجاته بنفسه".

إنها شهادة بيت واحد على ما يعبر فوقه. وقياساتها، الصادرة عن نقطة سكنية ثابتة، لا تغني عن خرائط الضوضاء المعتمدة، ولا تمثل مستويات التعرض في أحياء العاصمة جميعها. لكن في هذا النطاق المحدود تكمن خصوصية التجربة: فهي تقرب المعطيات من المكان الذي يعيش فيه الناس أثرها، وتمنح الانشغال اليومي لغة يمكن عرضها ومناقشتها.

وخلف ذلك السطح تمتد مدينة يتداخل فيها المطار والعمران. فهومبرتو ديلغادو تحيط به أحياء سكنية، وتلتقي مسارات الطائرات مع إيقاع الحياة في آلاف البيوت. وفي النصف الأول من سنة 2026، بلغت حركة المسافرين عبر المطار 17,4 مليون مسافر، بحسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء.

ويعكس هذا الرقم مكانة المطار في اتصال البلاد بالعالم، وحجم النشاط الذي يتعين على المدينة أن تتعايش معه.

ويشتد السؤال حين يحل الليل. ففي الساعات التي تخف فيها حركة الشوارع، يصبح للهدوء وزن آخر، وتغدو العلاقة بين جدول الرحلات وراحة السكان أكثر حساسية. وتقيد القواعد المطبقة في المطار عمليات الإقلاع والهبوط بين منتصف الليل والسادسة صباحا بسقفين، أحدهما يبلغ 26 حركة لكل ليلة، والآخر 91 حركة في الأسبوع، مع شروط تتصل بالخصائص الصوتية للطائرات واستثناءات لحالات محددة.

وفي الرابع من شتنبر، اتخذ الرصد المدني بعدا إضافيا مع إطلاق جمعية "زيرو" البيئية منصة "Aerovoos AHD". وتعتمد هذه الأداة على بيانات موقع "Flightradar24" لإحصاء الإقلاع والهبوط ليلا ومقارنة الحركة بالسقوف القانونية؛ وهي مهمة تختلف عن قياس مستويات الصوت والاهتزازات الذي تنجزه محطة بوافنتورا.

وبحسب الحصيلة التي عرضتها الجمعية عند الإطلاق، سجلت منذ بداية السنة 4647 حركة جوية بين منتصف الليل والسادسة صباحا، وتجاوز العدد السقف الأسبوعي في 33 أسبوعا من أصل 35. وأوضحت الجمعية، في الوقت نفسه، أن وجود استثناءات قانونية يمنع اعتبار كل تجاوز عددي مخالفة تلقائية، مطالبة سلطات الطيران بتوضيح الرحلات المستثناة والحالات التي تستوجب المساءلة.

وللرقابة على هذه القيود سجل رسمي. فقد أفادت رئيسة الهيئة الوطنية للطيران المدني بأن الغرامات المفروضة على شركات الطيران بسبب مخالفات مرتبطة بالفترات الزمنية المخصصة للرحلات والقيود الليلية بمطار لشبونة بلغت نحو 3,5 ملايين أورو خلال سنة 2025.

من جانبها، توضح شركة مطارات البرتغال "ANA"، على موقعها الإلكتروني، أنها تشغل منظومة دائمة لمراقبة الضوضاء، تميز بين الأصوات المحيطة وتلك المرتبطة بالطائرات. كما عرضت مشروع خطة عمل للحد من الضوضاء للفترة 2024-2029 على التشاور العمومي.

لكن حجم الاستجابة يظل موضع خلاف. فجمعية "زيرو"، استنادا إلى خطة العمل، تشير إلى تعرض أكثر من 370 ألف شخص لضوضاء المطار في منطقة لشبونة الكبرى، وترى أن التمويل المرصود للحد منها وللعزل الصوتي لا يتناسب مع اتساع التعرض.

وهكذا ينتقل النقاش من عدد الرحلات إلى قدرة البيوت على الاحتمال، ومن قياس الصوت إلى توزيع كلفة التعايش معه.

ولاضطراب النوم مكان في هذا النقاش. فالوكالة الأوروبية للبيئة تدرج الإزعاج المزمن واضطراب النوم ضمن أبرز آثار التعرض الطويل لضوضاء النقل، ومنها الطائرات. وتبقى الذروة التي يسجلها جهاز عند عبور طائرة معطى مختلفا عن متوسط التعرض الذي تستند إليه التوصيات الصحية؛ فلا تختصر قراءة مرتفعة منفردة الأثر المتراكم، ولا يكفي الاعتياد على الصوت للحكم على غياب ذلك الأثر.

وفي أفق المدينة، يحمل المطار الجديد وعدا بتغيير هذه العلاقة. فقد سلمت "ANA"، في يوليوز الماضي، التقرير التقني الخاص بمطار لويس دي كامويش، المزمع إنشاؤه في الجهة المقابلة للعاصمة من نهر تاجة، مع أفق معلن لبدء التشغيل اعتبارا من 2035.

وبين انتظار المطار الجديد وإيقاع المدينة اليوم، تواصل المحطة الصغيرة على سطح منزل بوافنتورا تسجيل ما تتركه الطائرات وراءها. لكل عبور توقيت وأثر، ولكل رقم صلة بحياة تجري أسفل مسارات الطيران.

وفوق لشبونة، تلتقي حكاية المسافر بحكاية المقيم، وبينهما يتشكل طموح المدينة إلى مستقبل يجمع رحابة الأفق وطمأنينة البيت؛ فتظل منفتحة على العالم، ويظل الهدوء قريبا من أهلها.

و م ع

اترك تعليقاً

شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.

Maroc24

حمّل تطبيق Maroc24، أخبار المغرب تصلك أولاً

تطبيق أخبار المغرب 24 يوفّر لكم متابعة مباشرة لكل الأحداث التي تهمّ المغرب ومغاربة العالم لحظة بلحظة، مع إشعارات فورية وتغطية شاملة لكل المستجدات.