ملتقى الشارقة الدولي للراوي.. أكاديمية مغربية تقارب ثيمة الصداقة في المروي الشفاهي المغربي

ملتقى الشارقة الدولي للراوي.. أكاديمية مغربية تقارب ثيمة الصداقة في المروي الشفاهي المغربي

قاربت رئيسة الأكاديمية الدولية للتراث الثقافي اللامادي، نجيمة طاي طاي، أمس الخميس، خلال جلسة علمية عقدت في إطار فعاليات الدورة السادسة والعشرين من "ملتقى الشارقة الدولي للراوي"، ثيمة الصداقة في المروي الشفاهي المغربي، من خلال مقاربة إثنوسيميائية.

وتناولت في هذه الجلسة، المنظمة تحت عنوان (الصداقة في التراث الشعبي العربي)، موضوع الصداقة من خلال 5 محاور، وهي "في إيتيمولوجيا كلمة الصداقة ودلالاتها الأنثروبولوجية"، و"الصداقة في المتداول المغربي: دراسة في المثل الشعبي والملحون"، و"موتيف الصداقة في التصنيف العالمي Aarne Thompson Uther ATU"، و"التحليل الإثنوسيميائي للحكايات المعتمدة"، و"الصداقة بين تأزم الثقة وهيمنة التواصل الرقمي - من زمن النية إلى زمن اللايك".

وقدمت السيدة طاي طاي، الخبيرة الدولية في التراث الثقافي غير المادي بالمعهد الجامعي للبحث العلمي التابع لجامعة محمد الخامس الرباط، تفسيرا موسعا لإيتيمولوجيا كلمة "الصداقة" ودلالاتها الأنثروبولوجية، لافتة إلى أن هذا التقارب الإيتيمولوجي عبر اللغات يكشف حقيقة أنثروبولوجية واحدة، وهي أن الصداقة في كل الثقافات تقوم على أربعة أركان دلالية كبرى هي: الصدق، والحب، والملازمة، وتقاسم الطعام والطريق.

وبعدما ذك رت بأن المتداول الشفهي المغربي يشكل مدونة قيمية تؤرخ لتحولات البنية/ الاجتماع، أبرزت السيدة طاي طاي أن ثيمة الصداقة تعد من بين الثيمات التي يتناولها هذا المروي الشفاهي باستمرار، حيث لا تقدم كعلاقة وجدانية عابرة، بل كبنية أخلاقية ناظمة للعلاقات.

وتطرقت الأكاديمية المغربية، في هذا الصدد، إلى مفهوم الصداقة في المتداول المغربي، من خلال تحليل المثل الشعبي كخطاب معياري، وتحليل بعض قصائد الملحون كوثائق أدبية توثيقية.

وأوضحت أن الأمثال الشعبية المغربية تكشف عن نسق قيمي صارم يحكم اختيار الصديق، ويمكن حصر هذا النسق في ثلاث بنيات دلالية كبرى، يدعمها الموروث الحكمي لسيدي عبد الرحمن المجدوب: "بنية الاختبار بالمؤاكلة والمعاشرة" و"بنية الوفاء وقت الشدة"، و"بنية الاختيار والاعتزال الواعي".

أما ثيمة الصداقة في الملحون، تضيف السيدة طاي طاي، فإنها لا ترد كعنوان مستقل دائما، بل تتوزع دلاليا داخل أغراض الغزل والمديح والتصوف كقيمة للوفاء والعهد، مشيرة إلى أنه من رواد هذا التوجه: سيدي قدور العلمي، ومحمد بن سليمان، والجيلالي امتيرد، وعبد العزيز المغراوي، على أن هذه القيم تتجلى بوضوح في بعض قصائد الملحون المتأخر، يتمثل على الخصوص في نموذج دال، وهو قصيدة في موضوع الصحبة لشاعر الملحون عباس بن بوستة.

وبخصوص الصداقة في الحكاية الشعبية، ركزت الباحثة المغربية على بعض الحكايات كمتن للتحليل، من قبيل "حكاية با مبارك وبا قاسم الخراز، نموذج صداقة الخبز والملح"، و"حكاية النية وقلة النية، نموذج خيانة الصداقة".

من جهة أخرى، أشارت السيدة طاي طاي إلى أنه "إذا كانت الحكاية الشعبية قد علمتنا أن الصداقة كانت مبنية على النية الصافية والكلمة الواحدة والوقوف وقت الشدة، فإن الواقع المعيش اليوم غير كل شيء"، مبرزة أن الصداقة أضحت اليوم بين تأزم الثقة وهيمنة التواصل الرقمي، أي "من زمن النية إلى زمن اللايك".

وأكدت على أن التواصل الرقمي بدل معنى الصداقة، موضحة أن المتداول المغربي المعاصر يعيد إنتاج نفس النسق القيمي لكن ضمن سياقين جديدين: تأزم الثقة في الواقع المعيش وهيمنة التواصل الرقمي. فبعدما كانت الصداقة تبنى على العشرة الطويلة والاختبار عبر الزمن، أصبحت في الفضاء الرقمي علاقة آنية تقاس بعدد التفاعلات، تعقد وتنقض بكبسة زر. مما أنتج مفارقة بنيوية: اتصال دائم ووحدة وجودية، وفرة في المعارف وندرة في السند.

وخلصت الأكاديمية المغربية إلى أن "درس الحكاية الشعبية ما زال صالحا اليوم: الصداقة تحتاج نية صافية ووقتا وصبرا، وبلا نية تموت، حتى في زمن اللايك. فالصداقة لم تمت لكنها أصبحت نادرة وصعبة"، مشددة على أن "التحدي المطروح اليوم هو كيف نحافظ على النية والمحبة والثقة التي تجلت من خلال الموروث الشفهي، في زمن اللايك".

وتتواصل فعاليات الدورة الـ 26 من ملتقى الشارقة الدولي للراوي إلى غاية 26 شتنبر الجاري، تحت شعار "حكايات الأصدقاء"، بمشاركة أكثر من 120 راويا وخبيرا وباحثا وإعلاميا من 38 بلدا، من بينها المغرب.

وتعد هذه التظاهرة الثقافية الدولية، التي ينظمها معهد الشارقة للتراث، منصة رفيعة لاستعراض غنى وتنوع الثقافة الشعبية، وإبراز الأهمية التي يضطلع بها أهمية التراث الشفهي في حفظ الهوية الوطنية والمقومات الحضارية والثقافية.
و م ع

اترك تعليقاً

شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.

Maroc24

حمّل تطبيق Maroc24، أخبار المغرب تصلك أولاً

تطبيق أخبار المغرب 24 يوفّر لكم متابعة مباشرة لكل الأحداث التي تهمّ المغرب ومغاربة العالم لحظة بلحظة، مع إشعارات فورية وتغطية شاملة لكل المستجدات.