في كيغالي، لا يحتاج المرء إلى كثير من الوقت ليكتشف أن "الصعود" ليس مجرد حركة عابرة على الطريق. إنه جزء من شخصية المكان. تلال تتوالى، وطرق تتلوى فوق السفوح، ومدينة تبدو كأنها بنيت وهي تصعد، درجة بعد أخرى.
هنا، في "بلد الألف تل"، بدأ عبد الرحيم طاليب فصلا جديدا من مسيرته. جاء المدرب المغربي إلى رواندا محملا بتجارب راكمها مع عدد من الأندية المغربية، ثم سرعان ما اكتشف أن هذه الرحلة لن تكون مجرد محطة أخرى في سيرته.
في مساء الجمعة الماضية، كان ملعب أماهورو في العاصمة يختصر شيئا من هذه الحكاية. أمام نحو 45 ألف متفرج، كان نادي الجيش الوطني الرواندي لكرة القدم (APR) مطالبا بتعويض خسارته ذهابا بهدف أمام "نسور الكونغو". وانتهت المباراة بثلاثية نظيفة منحت طاليب وعناصره بطاقة العبور إلى الدور الثاني التمهيدي من دوري أبطال إفريقيا.
"كان أمامي تحد آخر.. وهو المرور إلى الدور الثاني"، يقول المدرب المغربي، قبل أن يضيف: "لقد برهنا للجميع أننا فريق قوي، وأننا قادرون على مجاراة مستوى كرة القدم الإفريقية خارج رواندا."
بعيدا عن صخب ملعب أماهورو، وبمركز تدريبات النادي هنا فقط طاليب ولاعبوه، وحصة تدريبية تتيح الاقتراب من المدرب في تفاصيل عمله اليومية: يتابع كل حركة، يتدخل عند كل تفصيل، يوقف التمرين حين لا تسير الأمور كما يريد، ثم يعيد المناورة من جديد.
يقول مدير الفريق، إلياس كافونا، إن عمل المدرب المغربي لم يبدأ من الملعب، بل "بدأ بتكريس ذهنية الفوز لدى الفريق، وترسيخ الوحدة والتلاحم بين اللاعبين،"، مضيفا أن سلوكه مع لاعبيه أشبه بتعامل "أب" مع أبنائه، حتى إنه سعى إلى منح الثقة لكل لاعب، بما في ذلك اللاعبين الذين كان ينظر إليهم على أنهم أقل حظا في المشاركة.
وهذه الصورة نفسها تتكرر في شهادة لاعبيه. مامادو تراوري، اللاعب المالي المحترف في صفوف الفريق، يصف المدرب المغربي بأنه "بمثابة أب لنا جميعا"، موضحا أنه "لا يتوانى عن تقديم النصيحة والدعم في كل مرة، داخل الملعب وحتى خارجه".
في مركز التداريب، تحدث مؤطر حراس المرمى في الفريق الرواندي، الحاج الطيب حسن، الذي يخوض موسمه الخامس بهذا البلد الإفريقي، عن الفروق التي أحدثها وصول طاليب. "عبد الرحيم أعطى شحنة.. وفلسفة.. وطريقة عمل.. وبيداغوجية.. جديدة، جعلت اللاعبين يشعرون بالانطلاق"، يقول المتحدث.
رحلة الألف تل..
حين وصل عبد الرحيم طاليب إلى نادي الجيش الوطني الرواندي لكرة القدم في يونيو 2025، لم يدخل ناديا يبحث عن نفسه. دخل إلى واحد من أكثر الأندية حضورا في كرة القدم الرواندية، حيث الألقاب جزء من انتظارات الموسم. ولهذا لم يكن أمامه الكثير من الوقت للتعريف بنفسه. كان عليه أن يفوز.
يصف الإطار الوطني تجربته بـ"الناجحة بجميع المقاييس". ويوضح: "عندما حضرت إلى هنا، وجدت أن الفريق محترف بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. وكان هدفي الأساس: الفوز بالألقاب".
ولم يمض موسم واحد حتى أحرز النادي ثلاثة ألقاب: البطولة الرواندية، وكأس السلام، وكأس السوبر. لم يكن الأمر مجرد تتويج محلي، فقد أنهى النادي الموسم متقدما بـ12 نقطة عن فريق رايون سبورت، وبات أول فريق رواندي يحرز الألقاب الثلاثة في موسم واحد. يعلق طاليب أن هذه النتائج "أعطت انطباعا جيدا عن الإطار المغربي".
وحين قرر النادي ومدربه مواصلة المشوار، كانت الأهداف الجديدة أكبر: الانتقال من السيطرة المحلية إلى اختبار الحضور القاري: "لم لا ننافس في دوري أبطال إفريقيا؟" يتساءل طاليب بتطلع واثق نحو المستقبل.
ومنذ وصوله إلى رواندا، أدرك طاليب أن بناء علاقة حقيقية مع اللاعبين لا يمر دائما عبر المترجم. "عندما جئت إلى هنا، استعنت بأستاذ يعلمني المبادئ الأساسية للغة الكينيارواندية. لدي لاعبون يتحدثون الإنجليزية والفرنسية.. وهناك لاعبون لا يتحدثون سوى الكينيارواندية، لذلك كان علي أن أتعلمها حتى يكون التواصل أقرب."
في يوليوز 2026، مدد النادي عقد عبد الرحيم طاليب لموسم إضافي. ومع بداية شتنبر الجاري، وجد المدرب نفسه أمام أول اختبار كبير في الموسم الجديد، فقد أعادته الخسارة أمام "نسور الكونغو" في ذهاب الدور التمهيدي إلى شيء يعرفه ممارسو هذه الرياضة جيدا: لا شيء مضمون في كرة القدم. لكن ثلاثة أهداف في مباراة الإياب منحت الفريق بطاقة العبور إلى الدور الثاني التمهيدي، ووضعت النادي الرواندي أمام تحد أكبر في الدور الموالي: فريق الزمالك المصري.
والفوز على الزمالك لا يعني فقط تجاوز أحد أكثر الأندية خبرة في كرة القدم الإفريقية، بل سيمنح فريق الجيش الوطني الرواندي إمكانية التأهل للمرة الأولى في تاريخه إلى دور المجموعات في دوري أبطال إفريقيا.
"لا يمكن أن نقارن الزمالك بفريقنا من حيث حيازة الألقاب"، يؤكد طاليب، لكنه يستدرك قائلا: "بالنسبة لهذا العام أو العام الماضي، أظن أنه إذا أجرينا هذه المقارنة فستكون الحظوظ متساوية.. المهم، الآن، أن لا يتحول فوزنا بالمباراة السابقة إلى شعور مضلل بالاطمئنان".
وفي السياق ذاته، يعتبر محمد شهيد، مساعد المدرب، أن هذه المنافسات يمكن أن تفتح أمام النادي الرواندي بابا لم يبلغه من قبل، لافتا إلى أنه "لم يسبق لأي فريق رواندي أن بلغ دور المجموعات، ونأمل أن نحقق نحن، بهذا الطاقم المغربي، هذا الهدف".
ويبدو أن قصة "الألف تل" هي أكثر من مجرد استعارة عن كيغالي، فكل محطة في رحلة طاليب تقود إلى أخرى: الألقاب المحلية كانت التلة الأولى، ودوري أبطال إفريقيا هو التلة التالية، والزمالك هو الامتحان الذي يقف الآن في الطريق. وإذا تجاوزه النادي فسيكون قد بلغ قمة جديدة.
في كيغالي، لا تنتهي رحلة الصعود عندما تبلغ قمة التلة.. من هناك يمكن - فقط - أن تطالع التلة التالية.
و م ع
اترك تعليقاً
شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.