لا تقتصر رهانات الانتخابات التشريعية المقبلة بالمغرب على اختيار ممثلي الأمة وتجديد المؤسسات المنتخبة، وإنما تمتد إلى كسب رهان أكثر عمقا يتمثل في تعزيز المشاركة السياسية وترسيخ ثقافة المواطنة، لاسيما في ظل التحديات التي تفرضها ظاهرة العزوف الانتخابي، خاصة في صفوف الشباب، وما تثيره من تساؤلات حول سبل استعادة الثقة في العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة.
وفي هذا السياق، يتقاطع دور الأحزاب السياسية مع أدوار المجتمع المدني ووسائل الإعلام والمؤسسات التربوية، باعتبارهم جميعا فاعلين أساسيين في بناء وعي سياسي مسؤول، قادر على تحويل المشاركة في الانتخابات من مجرد استحقاق دوري إلى ممارسة مواطنة واعية تسهم في رسم السياسات العمومية وصناعة القرار.
وبحسب الملاحظين فإن المجتمع المدني، بحكم قربه من المواطنين وانشغالاتهم، أضحى يشكل أحد أهم روافع الديمقراطية التشاركية، ليس فقط من خلال تعبئة المواطنين للمشاركة في الاقتراع، وإنما أيضا عبر نشر الثقافة المدنية، وترسيخ قيم المواطنة، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وتكريس الوعي بأن الصوت الانتخابي يظل إحدى أهم وسائل التأثير في تدبير الشأن العام.
وفي هذا الإطار، أكد رئيس جمعية "شباب نور المستقبل" بفاس، ياسين العوني، أن المجتمع المدني يعد شريكا استراتيجيا في ترسيخ المسار الديمقراطي، بالنظر إلى قربه المباشر من الانشغالات اليومية للمواطنين، وهو ما يجعله مؤهلا للقيام بأدوار التأطير والتوعية والتحسيس، بعيدا عن أي منطق ظرفي يرتبط فقط بالمواعيد الانتخابية.
وأوضح، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن العمل الجمعوي مدعو إلى الانتقال من مجرد الدعوة إلى التصويت إلى الإسهام في نشر ثقافة المشاركة السياسية، وشرح أهمية الانخراط في الحياة العامة باعتباره مدخلا أساسيا للتأثير في القرار العمومي وتحقيق التنمية.
وأضاف أن نجاح حملات التحسيس يظل رهينا بتركيزها على أولولويات واضحة، في مقدمتها تشجيع المواطنين على التسجيل في اللوائح الانتخابية، وشرح اختصاصات المؤسسات المنتخبة، حتى يدرك المواطن أن صوته لا يقتصر على اختيار ممثل، وإنما يسهم في تحديد السياسات العمومية التي تؤثر في حياته اليومية.
كما شدد السيد العوني على ضرورة إعطاء مكانة خاصة للشباب والنساء داخل هذه الحملات، بالتوازي مع التصدي للأخبار الزائفة التي أضحت من أبرز التحديات التي تؤثر على ثقة المواطنين في العملية الانتخابية.
ورغم أن نسب المشاركة الانتخابية تعرف تباينا من محطة إلى أخرى، فإن استمرار عزوف جزء من الشباب يظل، بحسب عدد من الفاعلين، من أبرز الإشكالات التي تستوجب قراءة متعددة الأبعاد، بعيدا عن التفسيرات الاختزالية.
وفي هذا الصدد، يرى العوني أن هذه الظاهرة هي نتيجة تداخل عوامل متعددة، من بينها ضعف الثقافة السياسية، وتراجع الثقة نتيجة عدم وفاء بعض المنتخبين والأحزاب بوعودهم الانتخابية.
وأكد، في المقابل، أن المشاركة الإيجابية تبقى الوسيلة الأكثر فعالية لاختيار الكفاءات القادرة على خدمة الصالح العام، مسجلا أهمية قيام الأحزاب السياسية "بتجديد نخبها، ومنح الكفاءات الشابة والنسائية المكانة التي تستحقها، مع تقديم برامج انتخابية واقعية وقابلة للتنفيذ".
ومن جانبه، اعتبر الفاعل في مجال الرقمنة ومسير مقاولة ناشئة بفاس، معاذ بوشغل، أن المجتمع المدني مطالب ب"مراجعة أدوات اشتغاله، عبر القطع مع الأساليب التقليدية في التحسيس، واعتماد مقاربات أكثر قربا من لغة الشباب واهتماماتهم".
وأوضح أن النقاشات العمومية والورشات التفاعلية، والحملات الميدانية الموجهة، تشكل آليات فعالة لإقناع الشباب بأهمية التصويت، مضيفا أن الجيل الحالي يحتاج إلى خطاب يقوم على الإقناع بالحجة، أكثر من الاكتفاء بالشعارات العامة.
وأرجع بوشغل استمرار عزوف عدد من الشباب إلى "اتساع الهوة بين الوعود الانتخابية والإنجازات الفعلية" مشيرا إلى أن معالجة هذا الوضع، تقتضي إدماج العلوم السياسية ضمن المناهج التعليمية منذ المرحلة الثانوية، بما يساهم في تكوين جيل أكثر وعيا بدور المؤسسات الدستورية وأهمية المشاركة في تدبير الشأن العام.
ويجمع المتدخلان على أن الرقمنة أصبحت اليوم إحدى أهم أدوات التعبئة السياسية، إذا ما أ ح س ن توظيفها، إذ تتيح الوصول إلى شرائح واسعة من المواطنين، خاصة النساء والشباب، عبر محتويات مبسطة ت عر ف بأدوار المؤسسة التشريعية واختصاصات النواب، وتشجع على التسجيل في اللوائح الانتخابية، وتحصن الرأي العام من الأخبار الزائفة، فضلا عن فتح فضاءات للنقاش المسؤول حول القضايا العمومية.
وفي ظل التحولات التي تشهدها البلاد، يعتبر العديد من الملاحظين أن المجتمع المدني مدعو أكثر من أي وقت مضى للاضطلاع بدور محوري في مواكبة الاستحقاقات التشريعية المقبلة، باعتباره شريكا دائما في بناء مواطنين واعين بحقوقهم وواجباتهم، ومؤمنين بأن المشاركة السياسية ليست مجرد حق دستوري فحسب، بل أيضا مسؤولية جماعية ورافعة أساسية لترسيخ الديمقراطية وتحقيق التنمية المنشودة.
و م ع
الانتخابات التشريعية 2026.. المجتمع المدني بجهة فاس مكناس في صلب جهود ترسيخ المشاركة السياسية
اترك تعليقاً
شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.