الدخول السياسي بالمملكة المتحدة.. بورنهام يواجه أول اختبار حقيقي

الدخول السياسي بالمملكة المتحدة.. بورنهام يواجه أول اختبار حقيقي

بعد ستة أسابيع من الهدنة السياسية، يعود رئيس الوزراء البريطاني، آندي بورنهام، هذا الأسبوع، إلى مجلس العموم للمرة الأولى منذ توليه منصبه في "داونينغ ستريت".

ويتعين على رئيس الحكومة الجديد، الذي يحظى بشعبية كبيرة، مواجهة سلسلة من الملفات الحساسة، بدءا بالمالية العمومية وصولا إلى الدفاع، مرورا بقضايا الهجرة وأوضاع السجون.

وبالنسبة لرئيس الوزراء، يمثل هذا الدخول السياسي بالأساس نهاية فترة "هامش الثقة" الأولى. فبعد شهري يوليوز وغشت اللذين كانا مواتيين نسبيا، من المرتقب أن تجبره عودة النواب إلى البرلمان على مواجهة القيود المفروضة على الميزانية وانتقادات المعارضة لبرنامجه.

وستتجه كل الأنظار نحو (وستمنستر) بعد غد الأربعاء، بمناسبة الجلسة الأسبوعية للأسئلة الموجهة لرئيس الوزراء، وهي الأولى لبورنهام منذ وصوله إلى "داونينغ ستريت" في 20 يوليوز، عقب استقالة سلفه كير ستارمر.

وسيخوض بورنهام هذا الاستحقاق برصيد سياسي لا يزال هاما. وبحسب استطلاع لمؤسسة "يوغوف"، فإن 46 بالمائة من البريطانيين لديهم رأي إيجابي حول رئيس الوزراء الجديد، مقابل 33 بالمائة يحملون رأيا سلبيا.

ويعد معدل شعبيته الصافي، الذي بلغ زائد 13، الأفضل الذي يسجله رئيس حكومة في هذا المؤشر منذ انتعاش شعبية رئيس الوزراء المحافظ الأسبق، بوريس جونسون، في بداية جائحة كوفيد-19.

وتتزامن هذه الشعبية مع موقع ملائم لحزب العمال في نوايا التصويت، حيث يتصدر الحزب المشهد بنسبة 27 بالمائة، متقدما على حزب "إصلاح بريطانيا" (23 بالمائة)، وفقا لاستطلاع حديث أجرته مؤسسة "مور إن كومون". غير أن التحدي الذي يواجه بورنهام الآن، وفقا للمحللين، يكمن في تحويل هذا الدعم إلى ثقة مستدامة في عمله الحكومي.

وقد مكنته فترة الصيف من تحديد أجندته وتسليط الضوء على عدة تدابير تهدف إلى تحسين القدرة الشرائية والخدمات العامة. ومع عودة النواب، سيكون عليه الرد مباشرة على انتقادات المعارضة والتساؤلات التي بدأت تطفو على السطح في الفضاء العام.

الاختبار الأول.. المالية العمومية

من المرجح أن يكون التحدي الأبرز اقتصاديا، إذ تعكف الحكومة على إعداد ميزانيتها الأولى، التي من المقرر أن يعرضها وزير الخزانة، جون هيلي، في 28 أكتوبر. وسيكون هذا الموعد حاسما لقياس قدرة بورنهام على تمويل أولوياته في ظل احترام القواعد المالية التي تعهد بالحفاظ عليها.

وتطمح الحكومة، على الخصوص، إلى اتخاذ إجراءات بشأن تكلفة المعيشة، وتعزيز الخدمات العامة، ومعالجة المشاكل الاجتماعية مثل التشرد. غير أن هذه الطموحات تصطدم بوضع مالي صعب، في وقت تبدو فيه هوامش المناورة في الميزانية محدودة.

وفي هذا الصدد، يشكل قطاع الدفاع أحد أصعب الاختيارات. فخطة الاستثمار في القدرات العسكرية البريطانية تعاني من عجز في التمويل يبلغ 4.7 مليار جنيه إسترليني، وفقا لأرقام نشرت مؤخرا. وبالتالي، سيتعين على بورنهام تحديد كيفية تمويل هذا المجهود دون المساس بالأولويات الأخرى لحكومته.

ويكتسي هذا الموضوع حساسية أكبر لكون رئيس الوزراء تعهد بتحمل مسؤولياته لتمويل خطة الدفاع، مع مواجهة وضعية مالية تفرض خيارات صعبة.

المخاطر الضريبية

ستشكل مسألة الضرائب ساحة مواجهة أخرى مع المعارضة. فقد جدد بورنهام التأكيد على التزامه بتعهد حزب العمال خلال انتخابات 2024 بعدم زيادة ضريبة الدخل، أو الضريبة على القيمة المضافة، أو المساهمات الاجتماعية.

ومع ذلك، فإنه لم يستبعد اتخاذ تدابير ضريبية أخرى، مما يترك للمحافظين، بحسب المحللين، زاوية هجوم يعتزمون تركيز انتقاداتهم عليها خلال الأسابيع المقبلة.

ويتعين على الحكومة بالتالي إيجاد توازن بين تمويل التزاماتها، والحفاظ على ثقة الأسواق، وهدفها المتمثل في دعم الأسر التي تواجه غلاء المعيشة.

ويؤكد المحللون أن هذه المعادلة قد تصبح من أولى الاختبارات الحقيقية للمصداقية الاقتصادية لبورنهام.

المعارضة في موقع الهجوم

من جانبهم، يبحث المحافظون، بقيادة كيمي بادينوش، عن نقاط ضعف الحكومة الجديدة. وتعد ملفات الدفاع والضرائب من بين القضايا التي من شأنها أن تزود المعارضة بأسلحتها الرئيسية.

وتعد مسألة الإفراج المبكر عن السجناء حساسة بشكل خاص. ففي مواجهة الاكتظاظ في السجون، بدأت الحكومة في تقييد آلية الإفراج المبكر بعد ردود الفعل السلبية التي أثارتها بعض الإجراءات.

ويسعى بورنهام بذلك إلى التوفيق بين ضرورة تخفيف الاكتظاظ في السجون والرغبة في الظهور بمظهر الحازم في قضايا الأمن والجريمة.

ومن المتوقع أن تحتل الهجرة أيضا مكانة هامة في المناقشات البرلمانية. ويتعين على الحكومة، على الخصوص، أن تحسم في عدة مقترحات تهدف إلى تشديد شروط الحصول على وضع المقيم الدائم وتسريع ترحيل الأجانب في وضعية غير قانونية.

طريقة ممارسة السلطة

علاوة على الملفات ذاتها، ستتيح عودة البرلمان الانعقاد قياس الطريقة التي يعتزم بها بورنهام ممارسة السلطة.

ويفضل رئيس الوزراء الجديد مقاربة تركز على حل المشاكل بدلا من المواجهة السياسية. وقال في تصريح حديث: "لقد قلت أمام داونينغ ستريت إنني سأمارس السياسة بشكل مختلف، وسأحاول جمع الناس والتركيز على حل المشاكل بدلا من الهجمات السياسية".

غير أن هذه المنهجية، التي تتوافق مع صورة مسؤول سياسي براغماتي وقريب من الميدان، يجب أن تثبت جدواها في مواجهة الضغط اليومي في "وستمنستر".

ويقدم محيطه الأسابيع الأولى للحكومة على أنها فترة تعلم تهدف إلى تحديد ما ينجح وما يجب تصحيحه. غير أن المحللين يشيرون إلى أن الدخول البرلماني سيقلص بشكل كبير من هامش المناورة الذي حظي به خلال فترة الصيف.

وتثير التراجعات أو التعديلات الأولى لبعض الوعود الانتخابية بالفعل تساؤلات حول قدرة بورنهام على تحويل طموحاته إلى إصلاحات ملموسة.

وفي هذا الصدد، تسجل صحيفة "فايننشال تايمز"، المرجعية في أوساط الأعمال، عدة تحولات منذ وصول بورنهام إلى السلطة، ولا سيما فيما يتعلق بالسكن والضرائب والإصلاح الانتخابي.

السياسة الخارجية.. الاختبار الآخر

سيتعين على بورنهام أيضا توضيح معالم سياسته الخارجية. فبعد زيارته الأخيرة لأوكرانيا، سينبغي عليه تعزيز علاقات لندن مع شركائها الأوروبيين، مع التحضير لزيارة إلى الولايات المتحدة.

ويشير المحلل ستيفن بوش، في هذا السياق، إلى أن هذه الملفات ترتبط ارتباطا وثيقا بمسألة الدفاع، في وقت تسعى فيه المملكة المتحدة إلى تعزيز دورها داخل حلف شمال الأطلسي وإعادة تحديد علاقاتها مع حلفائها الرئيسيين.

وبالتالي، فإن التحدي الذي يواجه بورنهام لم يعد يتعلق بالإقناع بقدر ما يتعلق باتخاذ القرار. ويجادل المحلل ذاته بأن شعبيته تمنحه رأسمالا سياسيا ثمينا، غير أنه لا يمكن الحفاظ عليه إلا إذا تمكنت حكومته من إثبات أن وعودها ذات مصداقية مالية وقابلة للتنفيذ سياسيا.

ويشير جيمس ليونز، المتخصص في التواصل السياسي، إلى أنه بعد ستة أسابيع من الهدنة، يفتتح الدخول البرلماني بذلك مرحلة جديدة في ولاية بورنهام.

وسيتعين على رئيس الوزراء الآن تحويل الإعلانات إلى قرارات، وتمويل التزاماته، وتحمل التسويات التي تفرضها ممارسة السلطة. وخلص المحلل إلى أن فترة "هامش الثقة" بدأت تفسح المجال تدريجيا أمام اختبار الحكامة.
و م ع

اترك تعليقاً

شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.

Maroc24

حمّل تطبيق Maroc24، أخبار المغرب تصلك أولاً

تطبيق أخبار المغرب 24 يوفّر لكم متابعة مباشرة لكل الأحداث التي تهمّ المغرب ومغاربة العالم لحظة بلحظة، مع إشعارات فورية وتغطية شاملة لكل المستجدات.