شكل توقيع رئيس الجمهورية البرتغالية، أنطونيو خوسيه سغورو، يوم الأحد، على المرسوم البرلماني المعدل لقانون الجنسية، منعطفا تشريعيا وسياسيا حاسما أنهى فصلا طويلا من التجاذبات بين المؤسسات الدستورية والقوى الحزبية في البلاد.
فهذا القرار، الذي جاء في اليوم الأخير من المهلة الدستورية المتاحة للرئيس، لا يعكس فقط تحولا في الفلسفة القانونية لمنح المواطنة، بل يجسد أيضا ميزان القوى الجديد داخل البرلمان البرتغالي، حيث فرضت أحزاب اليمين واليمين المتطرف رؤيتها "السيادية" على هذا الملف الحساس.
وبالرغم من أن الرئيس سغورو اختار طريق المصادقة لتجنب شلل تشريعي جديد، إلا أنه حرص في بلاغه الرسمي على النأي بنفسه عن "الاصطفاف الإيديولوجي" الذي وسم هذا التعديل، معبرا عن أسفه لغياب إجماع وطني عابر للاصطفافات الحزبية الضيقة. وبحسب محللين برتغاليين، يشير هذا التحفظ الرئاسي بوضوح إلى مخاوف من أن يتحول قانون الجنسية، الذي يمس جوهر الهوية الوطنية والالتزامات الدولية، إلى أداة للتجاذب السياسي الظرفي بدلا من أن يكون ثمرة توافق مجتمعي مستدام.
ومن أبرز ملامح هذا الإصلاح رفع مدة الإقامة القانونية المطلوبة للحصول على الجنسية، حيث انتقلت من خمس سنوات إلى سبع سنوات بالنسبة لمواطني الدول الناطقة بالبرتغالية والاتحاد الأوروبي، وإلى عشر سنوات لباقي الجنسيات. ويعد هذا التغيير مؤشرا واضحا على توجه نحو تشديد معايير الاندماج القانوني، وربط منح الجنسية بإقامة أطول وأكثر استقرارا داخل التراب البرتغالي.
كما شمل التعديل الأطفال المولودين في البرتغال، حيث أصبح اكتسابهم للجنسية مشروطا بإقامة أحد الوالدين بشكل قانوني لمدة لا تقل عن خمس سنوات، بدل النظام السابق الذي كان يكتفي بسنة واحدة من الإقامة، وهو ما يمثل تحولا مهما في فلسفة منح الجنسية القائمة على مبدأ الارتباط التلقائي بالولادة داخل التراب الوطني.
ويتضمن القانون أيضا إلغاء عدد من الأنظمة الاستثنائية التي كانت تمنح تسهيلات خاصة لفئات معينة، من بينها أحفاد اليهود السفارديم، وبعض الحالات المرتبطة بالمجالات الاستعمارية البرتغالية السابقة. ويعكس هذا الإجراء رغبة في توحيد شروط الولوج إلى الجنسية ضمن إطار قانوني أكثر صرامة وتجانسا، بعيدا عن الاستثناءات التاريخية.
غير أن هذا الإصلاح لم يمر دون جدل، خاصة بعد إدراج إمكانية سحب الجنسية كعقوبة إضافية في القانون الجنائي. وقد أثار هذا المقتضى مخاوف قانونية مرتبطة بمدى توافقه مع المبادئ الدستورية، خصوصا مبدأ حماية الحقوق الأساسية وضمان عدم التعسف في العقوبات.
وفي هذا السياق، لجأ الحزب الاشتراكي إلى المحكمة الدستورية لطلب مراجعة جديدة للنص، ما يعكس استمرار الانقسام السياسي والقانوني حول بعض جوانب هذا الإصلاح. كما أن سوابق المحكمة الدستورية، التي سبق أن اعتبرت بعض مقتضيات القانون غير دستورية، تزيد من تعقيد المشهد التشريعي المرتبط بهذا الملف.
ورغم توقيع رئيس الجمهورية على القانون، فقد شدد على ضرورة احترام مبدأ الثقة في الدولة، خصوصا من خلال عدم المساس بالملفات الجارية، وتفادي تطبيق التعديلات الجديدة بشكل قد يضر بالمساطر الإدارية القائمة.
كما أكد على أهمية عدم تأثر آجال الحصول على الجنسية ببطء الإجراءات الإدارية، في إشارة إلى ضرورة تحسين فعالية الإدارة العمومية بالتوازي مع تشديد القواعد القانونية.
ومن منظور اجتماعي، يعكس هذا التعديل، بحسب المراقبين، تحولا في مقاربة الدولة البرتغالية لمسألة الاندماج، حيث يتم الانتقال من منطق تسهيل الاندماج القانوني إلى منطق "الاستحقاق المشروط"، الذي يربط الجنسية بإقامة أطول واستقرار أكبر.
ويثير هذا التوجه نقاشا حول انعكاساته على المهاجرين وأبنائهم، خاصة أولئك المولودين داخل البرتغال والمرتبطين بها اجتماعيا وثقافيا.
ويرى المراقبون أن هذا التحول البنيوي في معايير الاستحقاق يطرح تحديات جسيمة أمام صورة البرتغال كدولة منفتحة ومستقطبة للكفاءات واليد العاملة، خاصة في ظل التنافس المحموم بين الدول الأوروبية لمعالجة أزماتها الديمغرافية عبر الهجرة المنظمة.
في المقابل، يرى مؤيدو الإصلاح أنه ضروري لضمان اندماج فعلي ومستدام، وتفادي ما يعتبرونه "تساهلا" قانونيا" في منح الجنسية، قد لا يعكس ارتباطا حقيقيا بالدولة والمجتمع.
في المحصلة، تبدو البرتغال بصدد إعادة صياغة أحد أبرز مداخل الانتماء القانوني والسياسي، في سياق تتقاطع فيه اعتبارات الأمن القانوني، والاندماج الاجتماعي، وتحصين السيادة التشريعية. وبين من يرى في هذا التوجه خطوة نحو مزيد من الصرامة والوضوح في تدبير ملف الجنسية، ومن يعتبره تراجعا عن مقاربة اندماجية أكثر انفتاحا، يظل هذا الإصلاح عنوانا لنقاش أوسع حول معنى المواطنة في عالم سريع التحول.
وبقدر ما تسعى لشبونة إلى تعزيز "سيادتها القانونية" عبر هذه المراجعة، فإنها تضع نموذجها الاجتماعي والسياسي أمام اختبار دقيق يقتضي تحقيق توازن بين متطلبات ضبط الهجرة وحماية الأمن القومي، وبين الحفاظ على قيم الانفتاح والعدالة القانونية التي شكلت لسنوات إحدى ركائز إشعاعها الدبلوماسي وقوتها الناعمة.
و م ع
اترك تعليقاً
شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.