تتجه نفقات الرعاية الصحية في هولندا نحو مواصلة منحاها التصاعدي خلال السنوات المقبلة، في ظل تزايد الضغوط على المنظومة الصحية والمالية العمومية، مدفوعة بعوامل ديمغرافية وهيكلية متداخلة.
وتظهر معطيات حديثة صادرة عن مكتب الإحصاء الهولندي أن الإنفاق على الرعاية الصحية بلغ نحو 113,5 مليار يورو سنة 2024، مسجلا زيادة بنسبة 8,1 في المائة مقارنة بسنة 2023، وهو ما يمثل حوالي 10 في المائة من الناتج الداخلي الخام، في مؤشر على تسارع وتيرة نمو النفقات خلال فترة وجيزة.
وفي هذا السياق، تشير تقديرات أوردتها الصحافة الهولندية إلى أن الإنفاق الصحي مرشح لمواصلة الارتفاع ليبلغ مستويات قياسية سنة 2026، في ظل استمرار العوامل الضاغطة ذاتها.
ويرى الخبير الاقتصادي في مجال الصحة، ويم غروت، أن هذا التطور يطرح تساؤلات بشأن فعالية الإنفاق، مشيرا إلى أن ارتفاع الطلب، خاصة في مجال الصحة النفسية، "لا يرتبط بالضرورة بزيادة في الحالات المرضية الحادة، بل يعكس أيضا تحولات اجتماعية وضغوطا معيشية متزايدة".
وتفيد بيانات رسمية أخرى بأن متوسط الإنفاق السنوي للفرد، ضمن خدمات الصحة والرعاية الاجتماعية، بلغ حوالي 8610 يورو سنة 2024، مع تسجيل زيادات ملحوظة في تكاليف الرعاية طويلة الأمد والخدمات الاجتماعية، في سياق يتسم بتسارع شيخوخة السكان.
من جانبه، أكد الطبيب والباحث في الطب النفسي، جيم فان أوس، أن تزايد الإقبال على خدمات الصحة النفسية يعكس أيضا تحولات في وعي المجتمع، حيث أصبح الأفراد أكثر ميلا لطلب الدعم، داعيا إلى تعزيز الوقاية والمقاربات المجتمعية لتخفيف الضغط على النظام الصحي.
ويعزى هذا المنحى التصاعدي إلى عدة عوامل، من أبرزها تسارع شيخوخة السكان، وارتفاع الطلب على خدمات الرعاية، وتزايد تكاليف الأدوية، فضلا عن توسع خدمات الرعاية الاجتماعية، خاصة لفائدة الأطفال والشباب.
كما تسجل نفقات رعاية الأطفال والشباب ارتفاعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد نقل تدبير هذا القطاع إلى البلديات، في مؤشر على توسع العرض وتزايد الطلب في آن واحد.
وتساهم رعاية المسنين طويلة الأمد بدورها في زيادة الضغط على الميزانية، في ظل اعتماد ملحوظ على مؤسسات الإيواء، مقارنة بدول أوروبية أخرى تتجه نحو تعزيز الرعاية المنزلية كخيار أقل تكلفة.
وعلى المستوى الدولي، تفيد بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن هولندا تخصص نحو 10 في المائة من ناتجها الداخلي الخام للإنفاق على الصحة، وهو مستوى مرتفع نسبيا مقارنة بعدد من الاقتصادات المتقدمة.
وفي المقابل، يحذر البنك المركزي الهولندي من أن استمرار هذا الاتجاه قد يحد من قدرة الحكومة على تمويل قطاعات أخرى، في ظل تزايد الطلب المرتبط بالتحولات الديمغرافية والضغوط الاقتصادية.
وعلى الصعيد السياسي، تتزايد دعوات أحزاب من الائتلاف الحكومي، من بينها PVV وVVD، إلى تسريع الإصلاحات الرامية إلى كبح نمو النفقات الصحية، عبر تعزيز الوقاية وتحسين كفاءة الإنفاق، إلى جانب إعادة هيكلة بعض مجالات الرعاية، خاصة طويلة الأمد.
في المقابل، تدعو أحزاب من المعارضة، من بينها GroenLinks وPvdA، إلى مقاربة أكثر توازنا، تقوم على الحفاظ على جودة الخدمات وضمان الولوج المنصف إلى العلاج، مع معالجة الأسباب الاجتماعية المؤدية إلى ارتفاع الطلب، خاصة في مجالات الصحة النفسية والسكن والضغوط المعيشية.
ويرى مختصون أن التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين ضمان جودة الخدمات الصحية والتحكم في النفقات، في سياق يتسم بتزايد الطلب وتسارع التغيرات الديمغرافية، ما يجعل من إصلاح المنظومة الصحية خيارا استراتيجيا لا مفر منه.
و م ع
اترك تعليقاً
شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.