مع أولى نسمات فصل الربيع التي تداعب السهول الهولندية، تفتح حديقة كوكنهوف أبوابها من جديد أمام عشاق الطبيعة القادمين من مختلف أنحاء العالم، معلنة انطلاق موسم جديد من سحر الألوان يمتد من 19 مارس إلى 10 ماي، في موعد سنوي ينتظره الملايين بشغف كما ينتظرون عودة الضوء بعد شتاء طويل.
في هذه الرقعة الخضراء الواقعة في بلدة ليسه جنوب أمستردام، لا تبدو الزهور نباتات موسمية فقط، بل تتحول إلى لوحة بصرية نابضة بالحياة.
فبأكثر من سبعة ملايين زهرة، تتقدمها أزهار التوليب بألوانها المتدرجة بين الأحمر القاني والأصفر الذهبي والبنفسجي العميق، تنتظم الحديقة في لوحات هندسية آسرة أبدعها مزارعون وبستانيون بعناية فنية دقيقة، تجعل الزائر يشعر وكأنه يتجول داخل معرض مفتوح تحت سماء ربيعية صافية.
وعلى امتداد المسارات الواسعة التي تشق الحديقة، ينتقل الزوار بين بحيرات صغيرة وجسور خشبية وأجنحة عرض داخلية تحتضن عشرات الأنواع النادرة من الأزهار، فيما تنبسط في الخلفية حقول التوليب الشهيرة التي تحيط بالمكان، مانحة المشهد امتدادا بصريا أخاذا يجعل الأفق يبدو كما لو أنه لوحة مرسومة بريشة الطبيعة.
وفي قلب هذا المشهد الآسر، يلتقي الزوار من ثقافات وجنسيات متعددة، يحملون الكاميرات نفسها والابتسامات ذاتها.
يقول مارك وهو زائر هولندي قدم رفقة أسرته من روتردام، إنه يزور كوكنهوف كل سنة، لكنه يشعر في كل زيارة وكأنه يكتشفها لأول مرة، مضيفا أن الألوان هنا تمنح الإنسان طاقة إيجابية، وكأن الطبيعة تحتفل بالحياة بعد شهور الشتاء الطويلة.
وأضاف في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء أن هذا المكان ليس مجرد حديقة، بل تجربة حسية متكاملة، حيث تبدو كل زهرة وكأنها تروي حكاية خاصة.
أما إيزابيل وهي سائحة فرنسية جاءت من ليون خصيصا لزيارة الحديقة، فترى أن كوكنهوف تجسد صورة مثالية عن الربيع الأوروبي، مشيرة إلى أن الصور التي اعتادت رؤيتها على مدى سنوات لم تنقل أبدا جمال المكان الحقيقي.
وقالت في تصريح مماثل إن التجول بين هذه المسارات الغارقة في الألوان يمنح شعورا عميقا بالهدوء والانسجام مع الطبيعة، مضيفة أن أكثر ما شد انتباهها هو التنوع الهائل في الأزهار وطريقة تنسيقها، وكأن كل زاوية في الحديقة صممت لتكون لوحة فنية مستقلة.
ولا تقتصر جاذبية كوكنهوف على جمالها الطبيعي فقط، بل تمتد أيضا إلى بعدها الثقافي والسياحي، إذ تشكل الحديقة، منذ افتتاحها في منتصف القرن الماضي، أحد أبرز رموز الربيع الهولندي وواجهة عالمية لفن زراعة الزهور الذي اشتهرت به هولندا.
وخلال موسم الربيع، تتحول مدينة ليسه إلى نقطة جذب دولية، مع توافد الزوار من أوروبا وآسيا والأمريكيتين لاكتشاف هذا المشهد الفريد الذي يجمع بين الطبيعة والفن والهندسة النباتية في تناغم استثنائي.
ويزداد سحر كوكنهوف فرادة لأنها لا تفتح أبوابها سوى لفترة وجيزة كل عام، تزامنا مع ذروة تفتح أزهار التوليب في الربيع. ويجعل هذا الإيقاع الموسمي الخاص زيارة الحديقة أشبه بموعد عابر مع الجمال، لا يتكرر إلا مرة واحدة في السنة، ما يضفي عليها طابعا استثنائيا قل نظيره بين حدائق العالم.
وهكذا، تتحول ليسه، بين منتصف مارس وبداية ماي، إلى مسرح طبيعي للألوان، قبل أن تستعيد الحديقة سكونها مع نهاية الموسم، تاركة في ذاكرة زوارها مشهدا ربيعيا آسرا لا ينسى.
و م ع
اترك تعليقاً
شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.