مع دخول الحرب في منطقة الشرق الأوسط شهرها الثاني، لا زالت ارتداداتها على سوق الطاقة العالمية تعمق المخاوف بشأن استقرار إمدادات الوقود وسلاسل التوريد مع استمرار تعطل الشحن عبر مضيق هرمز الذي يؤمن خمس إمدادات النفط والغاز عالميا.
فقد شهدت أسعار النفط خلال الفترة بين 27 و 29 مارس الجاري ارتفاعا ملحوظا وسط ترقب الأسواق لمآلات الحرب الدائرة رحاها بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، واستمرار الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربية ومنشآت الطاقة فيها.
وهكذا، سجل خام برنت مستويات تراوحت بين 106 و 112 دولارا للبرميل، مقارنة بين بـ 72.48 دولار في 27 فبراير، أي قبل يوم واحد من اندلاع الأزمة الراهنة، فيما ارتفع خلال مارس إلى مستوى بلغ 119.50 دولارا للبرميل، وهو الأعلى منذ يونيو 2022، وذلك بعد إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز الحيوي.
ويأتي هذا الإرتفاع بعد أن تراجعت العقود الآجلة لخام برنت، يوم الأربعاء الماضي، بـ 6.21 دولار أو 5.9 في المئة إلى 98.28 دولار للبرميل، مدعومة حينها بتوقعات متفائلة باختراق دبلوماسي محتمل للأزمة، لاسيما بعد تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة أرسلت إلى إيران خطة من 15 بندا لإنهاء الحرب.
وعلى الرغم من المساعي الديبلوماسية المتواصلة والتي تقودها عدد من دول المنطقة لاحتواء التصعيد، يرجح المحللون بقاء الأسعار عند المستويات المرتفعة، لاسيما في ظل التقارير عن وجود استعدادات أمريكية لشن عملية برية في إيران وتلويح الأخيرة بتكثيف هجماتهما على منشآت الطاقة في الدول المجاورة.
ومع أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مآلات الحرب يتردد صداها سريعا في الأسواق على غرار تأكيده في وقت سابق بإحراز تقدم في المفاوضات مع طهران والذي أسهم على نحو كبير في تهدئة الأسواق، إلا أن العديد من المراقبين يرون أن هذه التصريحات لم تعد قادرة على طمأنة الأسواق وتهدئة الأسعار مع استمرار الحرب وإعلانه منح إيران مهلة 10 أيام لإعادة فتح مضيق هرمز.
ويذهب هؤلاء إلى أنه حتى في حال ترجيح سيناريو انتهاء الحرب والإفراج عن الكميات المحتجزة من النفط في مضيق هرمز، فإن الأمر قد يستغرق شهورا قبل أن تستعيد أسواق النفط والغاز عافيتها وتعود الأسعار إلى مستوياتها قبل اندلاع الأزمة.
فقبل استئناف حركة الملاحة عبر المضيق، تحتاج شركات الشحن وشركات التأمين التابعة لها إلى الاطمئنان على سلامة الملاحة عبر هذا الممر الحيوي، فيما تتطلب ناقلات النفط وقتا لتصريف التراكم في ظل تقارير للمنظمة البحرية الدولية بوجود نحو 2000 سفينة عالقة في الخليج العربي المجاور.
وبينما يحتدم الصراع حول مضيق هرمز وتحوله إلى ساحة صراع سيادي وعسكري مفتوح بين طهران وواشنطن، يتوجس العالم من تدحرج الحرب الحالية إلى مساحات أخرى من الاختناق البحري في المنطقة، مع دخول "ميلشيات الحوثي" في اليمن إلى المواجهة العسكرية وتلويحها بتعطيل الملاحة في باب المندب، وهو ممر مائي بثقل اقتصادي وتجاري مهم تحول معه إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية.
ويربط باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن، ويمثل الطريق الرئيسي للسفن بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، أي ما يقارب من 10 إلى 15 في المائة من التجارة العالمية. وفي حال تعطل الملاحة عبر هذا الممر المائي، فإن ذلك سيدفع بناقلات النفط إلى تحويل مسارها حول جنوب إفريقيا، مما يزيد مدة النقل من 10 إلى 15 يوما، ويرفع أسعار النفط، وقد يؤدي بحسب المراقبين إلى واحدة من أشد صدمات الطاقة العالمية منذ سبعينيات القرن الماضي.
فأمام تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، لجأت السعودية إلى تحويل مسار صادرات نفطها الخام عبر هذا الطريق، حيث تشير بيانات (كبلر)، إلى أن الكميات الموجهة من الخليج إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بلغت 4.658 مليون برميل يوميا الأسبوع الماضي، وهو ارتفاع حاد عن متوسط 770 ألف برميل يوميا في يناير وفبراير الماضيين.
ويصف المحللون هذين الممرين الاستراتيجيين بسلسلة الاختناق البحري التي تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأبيض المتوسط، ما يعني أن أي تهديد لهذه السلسلة بالتوازي قد يؤدي فعليا، بحسب البيانات الاقتصادية، إلى تعطيل ما يصل إلى ربع تجارة الطاقة العالمية، في ما قد يمثل أسوء سيناريوهات التصعيد الراهن.
وفي خضم التوتر الحالي، تعود السيناريوهات التاريخية إلى الواجهة، لتطرح تساؤلات حول مدى استمرارية هذا الصراع وتأثيره على استقرار الإمدادات النفطية وأسعار الخام، وتأثير ذلك على نطاق أوسع على التضخم العالمي، وسياسات البنوك المركزية، وسلاسل الإمدادات.
فقد شهدت الأسواق منذ منتصف القرن العشرين عدة أحداث تاريخية دفعت بأسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، بدءا بأزمة تأميم قناة السويس عام 1956، مرورا بحظر النفط العربي عام 1973، وانتهاء بالحرب الدائرة رحاها حاليا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والاعتداءات المتواصلة لإيران على دول الخليج العربي.
و م ع
اترك تعليقاً
شروط النشر: يجب ألا تكون التعليقات تشهيرية أو مسيئة تجاه الكاتب أو الأشخاص أو المقدسات أو الأديان أو الله. كما يجب ألا تتضمن إهانات أو تحريضاً على الكراهية والتمييز.