13 يونيو 2024

مأساة إنسانية .. مهاجرون يخاطرون بحياتهم في سبيل أمريكا

Maroc24 | دولي |  
مأساة إنسانية .. مهاجرون يخاطرون بحياتهم في سبيل أمريكا

بتقاسيم وجهه الدائري المائل إلى السمرة، وعينيه المليئتين بالأمل في غد أفضل، ينتظر خورخي فرصة سانحة لمتابعة رحلته من هندوراس إلى “الحلم الأمريكي”، تلك المغامرة المحفوفة بالمخاطر، هربا من الفقر والبطالة ومعضلات اجتماعية واقتصادية شتى.

وأنت تتجول بشوارع مكسيكو، كما في عدة مدن أخرى وخاصة الحدودية منها، يثير انتباهك المئات من أمثال خورخي. مجموعات صغيرة بينها نساء وأطفال ورضع، غالبيتهم من قاطني المخيمات التي تقيمها السلطات، يقفون بالقرب من إشارات المرور أو المراكز التجارية، منهم من يتسول وبعضهم يبحث عن عمل أو التفاتة إنسانية من أحدهم، في انتظار فرصة سانحة للتوجه نحو الشمال.

في منطقة بولانكو بمكسيكو، تجد عائلات تضم أربعة إلى سبعة أفراد، منهم نازحون من الحرب أو من الزلزال في هايتي، أو من الفقر وانعدام فرص الشغل في غواتيمالا وهندوراس وكوستاريكا ودول أخرى. تختلف جنسياتهم لكنهم يتقاسمون الحلم ذاته.

اختار خورخي في ربيعه الخامس والثلاثين، قبل سنة تحديدا، خوض مغامرة الهجرة إلى الشمال عن طريق البر، مقابل حوالي 3 آلاف دولار دفعها للمهربين، والتي عمل بكد ولأشهر طويلة لادخارها.

في حديثه لوكالة المغرب العربي للأنباء، يحكي هذا الشاب تفاصيل رحلة امتدت لثلاثة أشهر، انقلبت خلالها حياته رأسا على عقب، بعد إصابته بإعاقة جسدية بسبب عدم تلقيه علاجا طارئا، من إصابة في ساقه اليسرى بإطار حديدي.

بنبرة حزينة، يستعيد خورخي تفاصيل الحادث في الحدود بين غواتيمالا والمكسيك، وكيف عانى لقرابة أسبوع من الإصابة، بعدما أكمل المهاجرون الذين رافقوه في الرحلة المسير غير آبهين بوضعه.

لكن وبفضل إغاثة حرس الحدود، الذي تنتشر عناصره في كل مكان، أكد خورخي أنه استعاد الأمل في الحياة بعد نزيف حاد أدى إلى بتر ساقه، وبعد نقله إلى أحد مراكز اللجوء في مكسيكو حيث يتلقى حاليا العلاج والرعاية.

ورغم ظروفه الصحية الصعبة، يؤكد خورخي أنه ما يزال متشبثا بـ”الحلم الأمريكي” أو طوق النجاة، بحسب تعبيره، من الفاقة والبطالة وغياب فرص أفضل للعيش في بلاده.

وتستقبل المكسيك سنويا آلاف المهاجرين غير النظاميين من أمريكا الوسطى ومنطقة الكاريبي، باعتبارها نقطة عبور رئيسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وبحسب معطيات رسمية، فقد سجلت تدفقات المهاجرين إلى المكسيك زيادة غير مسبوقة خلال سنة 2021، خاصة في سياق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن فيروس كورونا، وبعد شبه توقف للظاهرة بالتزامن مع إغلاق الحدود في السابق.

وفاق عدد الموقوفين العام الماضي 190 ألفا لا يتوفرون جميعهم على أوراق ثبوتية، وهو ثلاثة أضعاف عدد الموقوفين في سنة 2020، والأعلى منذ 15 عاما، من بينهم حوالي 47 ألفا من القاصرين غير المصحوبين.

لكن هذه الأرقام تراجعت نسبيا خلال عهد الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، الذي وعد بتشييد حائط كبير بين سان دييغو الأمريكية وتيخوانا المكسكية، لدرء خطر وتدفقات المهاجرين القادمين من الجنوب.

ومع تولي جو بايدن مقاليد السلطة في البيت الأبيض ونهجه سياسة مرنة نسبيا لتدبير ملف الهجرة في أول عهده، استعاد آلاف المهاجرين الأمل في بلوغ الحلم الأمريكي، وسرعان ما توافدوا بأعداد هائلة على المكسيك، لتجد إدارة بايدن نفسها في مواجهة معضلة كبيرة، دفعتها إلى دعم مبادرة “البقاء في المكسيك” وعدم السماح للمهاجرين بعبور الحدود.

أليخاندرا المنحدرة من غواتيمالا، مهاجرة أخرى من بين آلاف المهاجرين الحالمين بالعبور إلى الضفة الشمالية، التي تعتبرها بمثابة سبيل “للخلاص من المعاناة”.

في حديثها ، قالت أليخاندرا التي قدمت رفقة زوجها واثنين من أطفالها إلى المكسيك، إن “من يخاطر بحياته لعبور الحدود المكسيكية الأمريكية سيكون قد عانى حتما من ويلات الفقر أو الصراعات”.

عن تفاصيل قدومها من بلادها إلى المكسيك، أكدت أليخاندرا أن “رحلة الألف ميل كانت محفوفة بالمخاطر وخاصة مع طفلين أحدهما لم يتجاوز السنة، انطلاقا من حدود غواتيمالا والمكسيك، ومرورا بالولايات الجنوبية للمكسيك، ووصولا إلى الشمال، حيث اعترض حرس الحدود طريقنا وأعادنا إلى مراكز اللجوء بمكسيكو».

وحول اختيارها ركوب رحلة محفوفة بالمخاطر، أكدت أليخاندرا أن شقيقتها المتواجدة بإحدى الولايات الشمالية للمكسيك حثتها على خوض المغامرة، بحثا عن فرص عمل ومسكن ودخل يفتح لها ولأسرتها أبواب الحياة.

وأضافت المهاجرة، وهي في سن الأربعين، أنه “وعلى امتداد آلاف الكيلومترات نجونا بأعجوبة من هجمات مباغتة لعصابات إجرامية وسط الأدغال، أو طلقات حرس الحدود التي لا تفلت أحدا، إلى جانب الخوف من نفاذ المال والغذاء رفقة طفلين في مقتبل العمر”.

تقصد هذه المهاجرة رفقة أسرتها الصغيرة يوميا مراكز تابعة للمعهد الوطني للهجرة، للحصول على الغذاء والعلاج المجاني، بينما تمارس وزوجها في بقية اليوم مهنا مؤقتة كالتنظيف لتغطية الحاجيات اليومية، في انتظار التسوية المؤقتة للأوضاع القانونية بالمكسيك، أو الفرصة المواتية لبلوغ الحلم الأمريكي.

يدير المعهد الوطني للهجرة، الهيئة المسؤولة عن تدبير الهجرة النظامية وغير النظامية في المكسيك، المئات من مراكز اللجوء عبر أنحاء البلاد، حيث يتلقى المهاجرون غير النظاميون واللاجئون من الفئات الأكثر حاجة الرعاية والمتابعة النفسية.

وبحسب مسؤولة في المعهد الوطني للهجرة، فإن حالة خورخي وغيره من المهاجرين غير النظاميين تدفع السلطات المكسيكية إلى تفادي ترحيلهم إلى بلدانهم، حيث يعيشون أوضاعا اجتماعية واقتصادية صعبة للغاية، وحتى لا يكونوا من جديد ضحايا لشبكات التهريب والاتجار بالبشر.

وأوضحت المسؤولة، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن المهاجرين الموقوفين في الحدود الشمالية أو الجنوبية أو في مناطق أخرى، يتم نقلهم إلى مراكز الهجرة التابعة للمعهد، حيث يستفيدون من الأكل والعلاج والمبيت لغالبية الحالات وبالمجان.

وأبرزت أن السلطات تحاول أيضا تسوية أوضاعهم القانونية في المكسيك في مدة تتراوح بين شهر إلى ثلاثة أشهر، لتفادي المخاطرة بالتسلل إلى الولايات المتحدة، والوقوع في أيدي الشبكات الإجرامية أو المخاطرة بأرواحهم ببساطة.

وأكدت أن هذه السياسة ساهمت في اندماج الكثيرين في المجتمع المكسيكي، وحصولهم على تدريبات ووظائف وفرت لهم مستوى معيشيا مقبولا.

وتعد ظاهرة الهجرة غير النظامية معضلة كبيرة تواجهها المكسيك والأمريكيتان على السواء. ففي كل يوم، تحاك مئات القصص الإنسانية لمهاجرين اختاروا طريق المخاطرة في رحلة قد تكون الأخيرة.

و م ع


أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.