أزيد من 64.7 مليار دولار هو حجم تحويلات المهاجرين المكسيكيين عبر العالم خلال السنة الماضية. رقم يؤكد حيوية هذا المورد كشريان لضخ العملة الصعبة في الاقتصاد المكسيكي ودعم استهلاك ملايين الأسر في مختلف الولايات، لاسيما بالمناطق الأكثر هشاشة.
وتعادل تحويلات المكسيكيين المقيمين بالخارج، والتي يأتي نحو 95 بالمائة منها من الولايات المتحدة، نحو 4 في المائة من الناتج الداخلي الخام للبلاد، التي تعد ثاني أكبر متلق للتحويلات في العالم بعد الهند.
بيد أن سياسة الهجرة التي تنهجها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتت تضغط بشكل ملحوظ على هذا الشريان الحيوي للاقتصاد المكسيكي، كما تؤكد ذلك آخر أرقام البنك المركزي المكسيكي، التي تشير إلى تباطؤ هذه التدفقات بنسبة 5.8 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية (40.4 مليار دولار). تراجع يتوقع المعهد المالي الدولي أن يرتفع إلى 13 بالمائة عند متم العام المقبل.
فبعد الرقم القياسي من التحويلات نحو المكسيك المسجل خلال السنة الماضية، شهد شهر مارس الماضي نهاية وتيرة تصاعدية استمرت 11 سنة متتالية، في مؤشر يعكس وقع سياسات الهجرة التي تنهجها إدارة الرئيس ترامب منذ بدء ولايته الثانية، والتي تستهدف أساسا الهجرة غير النظامية، مع العلم أن المكسيكيين يمثلون نحو نصف عدد المهاجرين غير النظاميين بالولايات المتحدة، الذين يقدر تعدادهم بنحو 11 مليونا.
وتقوم سياسة الإدارة الأمريكية على مقاربة صارمة تجاه الهجرة غير النظامية تشمل، على الخصوص، تكثيف عمليات الترحيل وتعقيد مساطر اللجوء، وتشديد المراقبة داخل سوق العمل، فضلا عن فرض رسوم على بعض التحويلات المالية إلى الخارج، في إطار توجه عام يروم تقليص تدفقات المهاجرين غير النظاميين نحو الولايات المتحدة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه الإجراءات حدت من قدرة المهاجرين المكسيكيين على تحويل الأموال بانتظام، حيث أن تنامي المخاوف بينهم من التعرض للترحيل دفع الكثيرين منهم إلى تجنب الخروج أو الذهاب إلى مراكز التحويل المالية.
وقد أدى تراجع عدد العمال المهاجرين بالولايات المتحدة إلى الضغط على إحداث فرص العمل والأجور، حيث إن النقص في اليد العاملة الأجنبية، خاصة من أصول لاتينية، انعكس على تباطؤ التوظيف في قطاعات مثل البناء والخدمات.
وجاءت هذه السياسات بعد موجات هجرة قياسية نحو الولايات المتحدة خلال سنتي 2022 و2023، ساعدت على التخفيف من نقص اليد العاملة بعد جائحة كوفيد-19. لكن تقديرات الخبراء تتوقع أن تنخفض معدلات الدخول بنسبة تصل إلى 87 في المائة مقارنة بالعام الماضي.
من جهتها، وفي تعاملها مع هذا الوضع، عمدت الحكومة المكسيكية إلى مجموعة من التدابير والإجراءات التكميلية، حيث أطلقت، بعد فرض الولايات المتحدة ضريبة بنسبة 1 في المائة على بعض التحويلات المالية، برنامجا لتعويض المهاجرين عن هذا الخصم، في مسعى لضمان استقرار حجم الأموال المرسلة للأسر المكسيكية.
كما شملت هذه التدابير تشجيع استخدام القنوات القانونية والرقمية لإرسال الأموال، مثل التحويلات المصرفية أو عبر التطبيقات الإلكترونية، لتقليل تكاليف التحويلات وضمان وصولها بشكل آمن، فضلا عن فتح قنوات حوار مع السلطات الأمريكية للتخفيف من أثر هذه السياسات على المواطنين المكسيكيين.
ولعل الأرقام السابقة تكشف أهمية التحويلات المالية بالنسبة للمكسيك، التي تستأثر بنحو 7 في المائة من مجموع التحويلات العالمية وفق معطيات البنك الدولي، وتفسر مساعي الحكومة للحفاظ على هذه الموارد باعتبارها رافعة حقيقة لدعم الاستهلاك وإنعاش ثاني اقتصاد في أمريكا اللاتينية.
و م ع


من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.